العالم العربي

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القيادات الحوثية

مقدمة عن الصراع الحوثي الداخلي

تشهد العاصمة اليمنية صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي تصاعداً ملحوظاً في حدة الخلافات والانقسامات الداخلية. وفي قلب هذا النزاع تبرز “أموال الزكاة والأوقاف” كمحرك رئيسي يؤجج الصراع بين القيادات الحوثية البارزة. تسعى الأجنحة المتعددة داخل الجماعة، وتحديداً جناح صعدة، إلى إحكام السيطرة على هذه الموارد المالية الضخمة التي باتت تشكل شريان حياة لتمويل العمليات العسكرية وتكوين ثروات شخصية طائلة على حساب معاناة الشعب اليمني.

السياق العام والخلفية التاريخية للحدث

منذ الانقلاب وسيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة في أواخر عام 2014، عملت الجماعة بشكل منهجي على تجريف الاقتصاد اليمني والسيطرة على كافة الأوعية الإيرادية. وفي خطوة استراتيجية لتعزيز نفوذها المالي، قامت الجماعة بتأسيس “الهيئة العامة للزكاة” في عام 2018، تلاها إنشاء “الهيئة العامة للأوقاف”. وقد أدت هذه الخطوات إلى سحب الصلاحيات من الوزارات التقليدية وتحويل هذه المؤسسات إلى كيانات مستقلة تتبع مباشرة كبار قادة الجماعة. لم تقتصر هذه الإجراءات على الجانب الإداري، بل تضمنت فرض جبايات قسرية على التجار والمزارعين والمواطنين تحت مسمى الزكاة، ومصادرة مساحات شاسعة من الأراضي والعقارات التابعة للأوقاف.

أسباب تفاقم الصراع بين القيادات الحوثية

يعود السبب الرئيسي لتأجيج الصراع بين القيادات الحوثية إلى حجم الإيرادات المهولة التي تدرها أموال الزكاة والأوقاف. ومع تراجع الإيرادات الأخرى بسبب الرقابة الدولية، أصبحت هذه الأموال الكعكة الأكبر التي تتنافس عليها أجنحة الجماعة. تشير التقارير الموثوقة إلى أن هناك صراعاً خفياً ومعلناً بين القيادات الأمنية والسياسية والمشرفين الميدانيين للاستحواذ على مناصب في هذه الهيئات، حيث يتم توجيه هذه الأموال بعيداً عن مصارفها الشرعية، وتُستخدم بدلاً من ذلك في شراء الولاءات القبلية، وتمويل الفعاليات الطائفية، وبناء إمبراطوريات مالية وعقارية لقيادات الصف الأول.

التأثير المحلي والأزمة الإنسانية والاقتصادية

على الصعيد المحلي، كان لاستغلال أموال الزكاة والأوقاف تأثير كارثي على الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن. فبدلاً من توجيه هذه الأموال لمكافحة الفقر والمجاعة التي تضرب أطناب البلاد، يتم تسخيرها لخدمة أجندات الجماعة. وقد أدى فرض الجبايات الباهظة إلى إفلاس العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهروب رأس المال الوطني، وارتفاع أسعار السلع الأساسية. يعيش المواطن اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين تحت وطأة ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، في حين تتباهى القيادات الحوثية بالثراء الفاحش الذي جمعته من أموال الشعب.

التداعيات الإقليمية والدولية

لا يقتصر تأثير هذا الصراع المالي على الداخل اليمني فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية خطيرة. إن استمرار تدفق أموال الزكاة والأوقاف إلى خزائن الحوثيين يمنحهم استقلالية مالية تساعدهم على إطالة أمد الحرب وتحدي القرارات الدولية. تُستخدم هذه الأموال في تطوير الترسانة العسكرية وتمويل الهجمات التي تهدد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلاً عن تهديد أمن الدول المجاورة. كما أن هذا التعنت المالي يعرقل جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، حيث ترفض الجماعة أي تسوية قد تجردها من سيطرتها على هذه الموارد الحيوية.

خلاصة

في الختام، يمثل الصراع على أموال الزكاة والأوقاف بين القيادات الحوثية تجسيداً واضحاً لتحول الجماعة إلى شبكة مصالح مالية معقدة. إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط بتعميق المأساة الإنسانية في اليمن، بل يشكل عقبة رئيسية أمام أي جهود حقيقية لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة. يتطلب الأمر تدخلاً دولياً أكثر صرامة لتجفيف منابع التمويل غير المشروعة وضمان توجيه الموارد الوطنية لخدمة الشعب اليمني وتخفيف معاناته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى