الهند تفرض معايير أمنية جديدة على الهواتف الذكية تثير الجدل

دخلت الحكومة الهندية في مواجهة تنظيمية حادة ومفتوحة مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، وذلك عقب اقتراحها حزمة صارمة تضم 83 معياراً أمنياً جديداً ملزماً لشركات تصنيع الهواتف الذكية. وتتضمن هذه الحزمة مطالب غير مسبوقة في تاريخ الصناعة التقنية، أبرزها إلزام الشركات بمشاركة «الكود المصدري» (Source Code) مع الجهات الحكومية، بالإضافة إلى ضرورة إخطار الدولة مسبقاً بأي تحديثات برمجية كبرى قبل طرحها للمستخدمين.
سوق استراتيجي تحت المجهر
تأتي هذه الخطوة الجريئة في إطار مساعي نيودلهي الحثيثة لتعزيز السيادة الرقمية وأمن بيانات المستخدمين في ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية على مستوى العالم، والذي يضم قاعدة ضخمة تتجاوز 750 مليون مستخدم. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل توجه الهند لتعزيز مكانتها كمركز تصنيع عالمي بديل للصين ضمن مبادرة «صنع في الهند»، مما يجعل الامتثال لهذه المعايير تحدياً مزدوجاً للشركات التي تعتمد على السوق الهندي للنمو والتصنيع في آن واحد.
مخاوف الشركات: أسرار تجارية في خطر
ووفقاً لتقارير وكالة «رويترز»، قوبلت هذه المقترحات بمعارضة شرسة من تحالف يضم عمالقة الصناعة مثل «آبل»، و«سامسونغ»، و«جوجل»، و«شاومي». وترى هذه الشركات أن المتطلبات الهندية تتجاوز المعايير الدولية المعمول بها، وأن كشف «الكود المصدري» يمثل تهديداً وجودياً لأسرارها التجارية وحقوق الملكية الفكرية، مما قد يعرض أنظمتها الأمنية لمخاطر الاختراق بدلاً من حمايتها.
نقطة الخلاف الجوهرية
يُعد البند المتعلق بالاطلاع على «الكود المصدري» هو الأكثر إثارة للجدل في الوثيقة المقترحة؛ حيث ينص على إخضاع البرمجيات لتقييم أمني شامل، والسماح لمختبرات هندية محلية بمراجعة وتحليل الشيفرة البرمجية للتحقق من خلوها من الثغرات أو الأبواب الخلفية. وفي وثيقة داخلية، وصفت رابطة صناعة التكنولوجيا الهندية هذا الشرط بأنه «غير ممكن» عملياً، مشيرة إلى أن الاقتصادات الكبرى في الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية لا تفرض مثل هذه القيود الصارمة.
سياق تاريخي وسياسي للأزمة
لا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق السياسي والأمني الأوسع في الهند؛ حيث تتبنى حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي سياسات حمائية رقمية متشددة، خاصة بعد التوترات الحدودية مع الصين في عام 2020، والتي تبعها حظر مئات التطبيقات الصينية بدعوى حماية الأمن القومي. ويرى مراقبون أن المعايير الجديدة هي امتداد لهذه السياسة، تهدف من خلالها الهند إلى إحكام قبضتها على الفضاء السيبراني المحلي، ومنع أي نفوذ أجنبي قد يتم تمريره عبر الأجهزة الذكية.
الرد الحكومي ومستقبل المفاوضات
من جانبه، حاول الأمين العام لوزارة تكنولوجيا المعلومات الهندية، إس. كريشنان، تهدئة المخاوف، مؤكداً أن الحكومة ستتعامل مع ملاحظات الشركات «بعقل منفتح»، واصفاً الاعتراضات الحالية بأنها سابقة لأوانها. وفي تراجع تكتيكي، نفت الوزارة في بيان لاحق طلبها الصريح لـ«الكود المصدري»، مشيرة إلى أن المشاورات لا تزال جارية لصياغة إطار تنظيمي متوازن. ومن المقرر عقد اجتماعات حاسمة بين مسؤولي الوزارة وممثلي الشركات للوصول إلى صيغة توافقية تجنب السوق الهندي اضطرابات قد تؤثر على سلاسل التوريد العالمية.



