
هجمات إيران: 83% تستهدف الخليج و17% فقط نحو إسرائيل
مقدمة: التوزيع الاستراتيجي للهجمات الإيرانية
في تحليل دقيق للمشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، تبرز إحصائية لافتة تكشف عن التوجه الحقيقي للعمليات العسكرية والأمنية التي تنفذها طهران أو تدعمها. فقد أظهرت البيانات أن إيران وجهت 83% من هجماتها إلى منطقة الخليج العربي، في حين لم تتجاوز نسبة الهجمات الموجهة نحو إسرائيل حاجز الـ 17%. هذا التفاوت الكبير يسلط الضوء على الأولويات الاستراتيجية الحقيقية لصناع القرار في طهران، والتي تتناقض أحياناً مع الخطاب الإعلامي والسياسي المعلن.
السياق التاريخي واستراتيجية الوكلاء
تعتمد العقيدة العسكرية الإيرانية منذ عقود على استراتيجية “الحرب بالوكالة” وتجنب المواجهة المباشرة الشاملة. من خلال الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، قامت طهران بتأسيس ودعم شبكة واسعة من الفصائل المسلحة في المنطقة، تُعرف باسم “محور المقاومة”. تاريخياً، استخدمت إيران هذه الشبكة، التي تضم جماعات في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، لتوسيع نفوذها الإقليمي والضغط على جيرانها. وقد شهد العقد الماضي تصعيداً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، والتي كان مسرحها الرئيسي هو شبه الجزيرة العربية والممرات المائية المحيطة بها.
لماذا يستحوذ الخليج العربي على 83% من الهجمات؟
إن التركيز الإيراني الكثيف على منطقة الخليج العربي، والذي يمثل 83% من إجمالي الهجمات، يعود إلى عدة عوامل استراتيجية واقتصادية حيوية. تسعى طهران إلى تحقيق هيمنة إقليمية من خلال الضغط المستمر على الدول المجاورة. وقد تجلى ذلك في عدة حوادث بارزة وموثقة، منها:
- استهداف البنية التحتية للطاقة: الهجمات الشهيرة على منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص عام 2019، والتي أثرت مؤقتاً على إمدادات النفط العالمية.
- تهديد الملاحة البحرية: العمليات المستمرة في مضيق هرمز والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما في ذلك احتجاز الناقلات التجارية واستهداف السفن عبر جماعة الحوثي في اليمن.
- الضغط السياسي والأمني: استخدام الهجمات الصاروخية والمسيرات كرسائل ضغط سياسي على دول مجلس التعاون الخليجي لثنيها عن تحالفات دولية معينة.
المواجهات مع إسرائيل: نسبة الـ 17%
على الرغم من أن الخطاب الرسمي الإيراني يضع إسرائيل كعدو أول، إلا أن الإحصائيات تشير إلى أن 17% فقط من الهجمات وُجهت نحوها. يُعزى ذلك إلى توازن الردع المعقد، والتفوق التكنولوجي والدفاعي الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، مما يجعل تكلفة المواجهة المباشرة أو حتى عبر الوكلاء باهظة جداً. غالباً ما تتخذ الهجمات ضد إسرائيل طابعاً استخباراتياً أو سيبرانياً، أو تقتصر على مناوشات حدودية محسوبة بدقة لتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تدمر البنية التحتية الإيرانية.
التداعيات الإقليمية والدولية
يحمل هذا التوزيع في الهجمات تداعيات عميقة على المستويين الإقليمي والدولي. إقليمياً، دفع هذا التهديد المستمر دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع مصادر تسليحها، وتطوير أنظمة دفاع جوي متقدمة. كما أدى إلى تحركات دبلوماسية براغماتية، مثل الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية عام 2023، والذي هدف إلى خفض التصعيد. دولياً، أثار استهداف الممرات المائية الحيوية قلق القوى الكبرى، مما أدى إلى تشكيل تحالفات بحرية دولية لحماية حرية الملاحة وضمان استقرار أسعار الطاقة العالمية.
خلاصة المشهد الجيوسياسي
في الختام، تؤكد لغة الأرقام أن الاستراتيجية الإيرانية موجهة بشكل أساسي نحو محيطها الإقليمي المباشر في الخليج العربي لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية، بينما تبقى المواجهة مع إسرائيل محكومة بقواعد اشتباك أكثر حذراً. فهم هذا الواقع ضروري لقراءة مستقبل التوازنات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط.



