أخبار العالم

قطع الإنترنت في إيران: عزلة رقمية وتأثيرات الاحتجاجات

يعيش ما يقارب 86 مليون إيراني منذ عدة أيام في حالة من الانقطاع شبه التام عن العالم الخارجي، وذلك عقب قرار السلطات بقطع الإنترنت بشكل واسع. وقد أدى هذا الإجراء إلى توقف خدمات البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، والتطبيقات الرقمية العالمية، مما فرض عزلة رقمية خانقة تزامنت مع انطلاق موجة من الاحتجاجات الشعبية.

السياق التاريخي لسياسة الحجب الرقمي

لا تعد هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها طهران إلى خيار قطع الإنترنت؛ إذ دأبت السلطات الإيرانية خلال السنوات الماضية، وتحديداً منذ احتجاجات 2009 وما تلاها في 2017 و2019، على استخدام سلاح "الإظلام الرقمي" للسيطرة على تدفق المعلومات. وتعتمد الحكومة في ذلك على ما يُعرف بـ"الشبكة الوطنية للمعلومات"، وهي شبكة إنترنت محلية (إنترانت) تسمح باستمرار الخدمات الحكومية والمصرفية الأساسية مع عزل المستخدمين عن الشبكة العالمية، وهو ما يفسر استمرار عمل تطبيقات البنوك وسيارات الأجرة رغم الانقطاع الخارجي.

شلل اقتصادي ومعاناة الشركات

ألقى هذا الانقطاع بظلاله الثقيلة على القطاع الاقتصادي، حيث عبر موظف في شركة إيرانية خاصة لوكالة فرانس برس عن غضبه قائلاً: "نأتي إلى المكتب لكن من دون إنترنت، لا أستطيع حتى التواصل مع زبائني". ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن استمرار قطع الإنترنت يكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة يومياً، خاصة الشركات الناشئة وقطاع الخدمات الذي يعتمد كلياً على التواصل الرقمي، مما يفاقم الأزمات المعيشية التي كانت سبباً رئيسياً في اندلاع الاحتجاجات.

تفاصيل الانقطاع والبدائل المحدودة

بدأت السلطات بقطع الخدمات في 8 يناير الحالي، مما منع المواطنين من مشاركة صور ومقاطع فيديو توثق الاحتجاجات التي تحولت من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية. وفي حين استؤنفت الاتصالات الهاتفية الدولية بشكل جزئي ورديء من إيران إلى الخارج، تظل منصات مثل يوتيوب وإنستجرام وتليجرام محجوبة تماماً، مع إبقاء الوصول متاحاً فقط للمحتوى المحلي الخاضع للرقابة الصارمة.

الحياة اليومية بين الطبيعية والحذر

في شوارع طهران، يبدو المشهد متناقضاً؛ ففي النهار تكتظ أرصفة المقاهي وتزدحم الطرقات، مما يوحي بمظهر من مظاهر الحياة الطبيعية. وتصدرت المسيرات المؤيدة للحكومة عناوين الصحف الرسمية مثل "كيهان" التي وصفت الأحداث بـ"الإذلال التاريخي" لأعداء إيران. ولكن مع حلول المساء، يتغير المشهد كلياً، حيث يتباطأ النشاط الاقتصادي وتغلق المحال أبوابها مبكراً تحسباً لأي طارئ، رغم عدم فرض حظر تجول رسمي.

الرواية الرسمية والاتهامات المتبادلة

على الصعيد السياسي، تتبنى الحكومة رواية تتهم فيها أطرافاً خارجية بتأجيج الوضع. وقد ظهرت أمام جامعة طهران آثار لسيارات إسعاف وآليات محترقة، مع لافتات تتهم "عملاء الكيان الصهيوني" بالوقوف وراء التخريب. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تضرر مئات المتاجر والمساجد ووسائل النقل، في حين تركز وسائل الإعلام الرسمية على عرض الخسائر وتكريم عناصر الأمن، معتبرة أن ما يحدث هو "إرهاب" مدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل، في محاولة لحشد الرأي العام الداخلي ضد المحتجين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى