
الهدوء الإيراني الإسرائيلي وانعكاسه على أزمات الجوار المصري
في خضم التوترات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يبرز تساؤل محوري حول ما إذا كانت التهدئة الأخيرة في المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل قد تمنح القاهرة مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية، وتوفر دفعة حقيقية لجهودها في احتواء أزمات الجوار المصري الملتهبة. فبعد أن حبست المنطقة أنفاسها إثر هجمات متبادلة غير مسبوقة، يبدو أن قواعد الاشتباك تعود إلى ما كانت عليه، مما يفتح الباب أمام تقييم التداعيات على الملفات الإقليمية التي تقع في قلب دوائر الأمن القومي المصري، وعلى رأسها الحرب في غزة، والصراع في السودان، والوضع الهش في ليبيا.
خلفيات الصراع وتأثيره على الاستقرار الإقليمي
لم تكن المواجهة الأخيرة وليدة اللحظة، بل هي تتويج لسنوات طويلة من “حرب الظل” التي خاضتها طهران وتل أبيب عبر وكلاء وفي ساحات متعددة. لكن استهداف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق، والرد الإيراني المباشر الذي تلاه، نقلا الصراع إلى مستوى جديد من العلنية والخطورة، وهددا بإشعال حرب إقليمية واسعة النطاق. هذا التصعيد الخطير لم يكن ليؤثر على طرفي النزاع فقط، بل كان من شأنه أن يلقي بظلاله القاتمة على المنطقة بأكملها، ويعيد ترتيب أولويات القوى الدولية، ويصرف الانتباه والموارد عن أزمات أخرى لا تقل أهمية، وهو ما كانت تخشاه القاهرة بشدة.
فرصة للقاهرة؟ كيف يؤثر الهدوء على أزمات الجوار المصري؟
مع عودة الهدوء الحذر، تجد الدبلوماسية المصرية نفسها أمام فرصة محتملة لاستعادة زمام المبادرة. إن انحسار خطر نشوب حرب إقليمية شاملة يسمح لمصر بتركيز جهودها بشكل أكبر على الملفات التي تؤثر مباشرة على أمنها واستقرارها. في قطاع غزة، يمثل الوضع أولوية قصوى، حيث تقود مصر جهود وساطة مضنية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وصفقة لتبادل الأسرى، بينما تحاول في الوقت ذاته منع أي سيناريو لتهجير الفلسطينيين نحو سيناء. إن انشغال العالم بصراع إيراني-إسرائيلي كان سيضعف الضغط الدولي اللازم للتوصل إلى حل في غزة، وبالتالي فإن التهدئة تعيد هذا الملف إلى صدارة الاهتمام.
على الجبهة الجنوبية، يستمر الصراع الدامي في السودان في إثارة قلق بالغ لمصر، مع تدفق مئات الآلاف من اللاجئين عبر الحدود وتزايد خطر امتداد عدم الاستقرار. إن بيئة إقليمية أقل توتراً تتيح فرصة أكبر لتنسيق الجهود الدبلوماسية العربية والإفريقية لإيجاد حل سياسي للأزمة السودانية. وبالمثل، في ليبيا، تسعى مصر جاهدة لدعم مسار التسوية السياسية وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي جهود قد تتعثر بشدة في حال تفجر صراع إقليمي يغذي الأطراف المتنازعة بالمال والسلاح. لذا، فإن احتواء التصعيد الإيراني-الإسرائيلي يمنح مصر متنفساً ضرورياً لمواصلة دورها المحوري في هذه الساحات الثلاث، ويعزز من قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية في محيطها المباشر.



