أزمة الحدود البحرية بين العراق والكويت: القصة الكاملة للخرائط

أعادت أزمة الخرائط الأخيرة بين العراق والكويت فتح ملف الحدود البحرية الشائك، وهو الملف الذي طالما شكل نقطة توتر في العلاقات بين البلدين الجارين. يأتي هذا التطور ليعيد تسليط الضوء على التعقيدات الجيوسياسية في منطقة شمال الخليج العربي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع السيادة الوطنية، مما ينذر باحتمالية تصاعد التوتر الدبلوماسي إذا لم يتم احتواء الموقف عبر القنوات الرسمية والحوار البناء.
الجذور التاريخية لأزمة الحدود البحرية
لا يمكن فهم أزمة الخرائط الحالية بمعزل عن السياق التاريخي الطويل لترسيم الحدود. فبعد حرب الخليج الثانية عام 1991، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 833 لعام 1993، الذي رسم الحدود البرية بشكل دقيق بين البلدين. ومع ذلك، بقيت الحدود البحرية نقطة خلاف جوهرية، خاصة فيما يتعلق بالمنطقة البحرية التي تلي العلامة الحدودية 162. لطالما اعتبر العراق أن الترسيم البحري بوضعه الحالي قد يخنقه بحرياً ويحرمه من إطلالة واسعة ومؤثرة على الخليج، وهو ما يعتبره العراقيون حقاً جغرافياً وتاريخياً لا يمكن التنازل عنه.
اتفاقية خور عبد الله والجدل القانوني
تتمحور جزء كبير من الأزمة حول تنظيم الملاحة في “خور عبد الله”، الممر المائي الاستراتيجي. ورغم توقيع اتفاقية لتنظيم الملاحة بين البلدين في عام 2012 والمصادقة عليها لاحقاً، إلا أن الجدل الداخلي في العراق لم يتوقف. وقد تصاعدت الأمور مؤخراً مع صدور قرارات قضائية عراقية، وتحديداً من المحكمة الاتحادية العليا، التي أثارت تساؤلات حول دستورية بعض جوانب التصديق على الاتفاقية، مما دفع الجانب الكويتي للاحتجاج والتمسك بالاتفاقيات المودعة لدى الأمم المتحدة. إن ظهور خرائط جديدة تعتمدها أي من الدولتين لترسيم حدودها البحرية من جانب واحد يعتبر شرارة تجدد هذا النزاع القديم المتجدد.
الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية: حرب الموانئ
يتجاوز الخلاف مسألة الخطوط على الخرائط ليصل إلى المصالح الاقتصادية الكبرى. يسعى العراق جاهداً لإكمال مشروع “ميناء الفاو الكبير”، الذي يعول عليه ليكون رئة العراق الاقتصادية وبوابة لطريق التنمية العالمي. في المقابل، طورت الكويت “ميناء مبارك الكبير” في جزيرة بوبيان القريبة جداً من الممرات المائية العراقية. يرى خبراء الاقتصاد والملاحة أن تداخل المناطق البحرية وضيق الممر المائي قد يؤثر سلباً على حركة السفن التجارية المتجهة إلى الموانئ العراقية، مما يجعل ترسيم الحدود البحرية مسألة حياة أو موت بالنسبة للاقتصاد العراقي المستقبلي.
التأثيرات الإقليمية والدولية المتوقعة
إن استمرار الخلاف حول الخرائط والحدود البحرية لا يهدد العلاقات الثنائية فحسب، بل يلقي بظلاله على استقرار المنطقة. يحظى هذا الملف باهتمام دولي واسع، نظراً لأهمية الخليج العربي كممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية. قد يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى تدخلات دولية لضمان حرية الملاحة، كما أنه قد يعيق مشاريع الربط السككي والكهربائي بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي. لذا، تتجه الأنظار إلى الدبلوماسية الهادئة واللجان الفنية المشتركة كسبيل وحيد لتفكيك عقدة الخرائط والوصول إلى حلول وسط تضمن سيادة الكويت وحق العراق في ممر بحري آمن ومستدام.



