اقتصاد

موازنة اليابان 2026: إنفاق عسكري قياسي بـ 9 تريليون ين

في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً جذرياً في السياسة اليابانية، أقرت الحكومة اليابانية، يوم الجمعة، موازنة عامة قياسية للسنة المالية المقبلة التي تبدأ في الأول من أبريل 2026. وتهدف هذه الموازنة الضخمة إلى تمويل خطط طموحة لزيادة الإنفاق الدفاعي، بالإضافة إلى تغطية التكاليف المتزايدة للضمان الاجتماعي، في وقت يلقي فيه التضخم بظلاله الثقيلة على الاقتصاد المحلي والإنفاق الاستهلاكي.

أرقام قياسية في ظل تحديات اقتصادية

وبحسب البيانات الرسمية، تبلغ قيمة الموازنة العامة 122,300 مليار ين (ما يعادل نحو 781 مليار دولار أمريكي). وقد خصصت الحكومة حصة غير مسبوقة للإنفاق الدفاعي بلغت نحو تسعة آلاف مليار ين. تأتي هذه الزيادة الكبيرة في وقت تسعى فيه رئيسة الوزراء، ساناي تاكايشي، إلى تسريع وتيرة تحديث القدرات العسكرية للبلاد، استجابةً للمتغيرات الأمنية المتسارعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتحديداً في ظل تدهور العلاقات الدبلوماسية والأمنية مع الصين.

تحول تاريخي عن النهج السلمي التقليدي

لفهم أهمية هذا القرار، يجب النظر إلى السياق التاريخي لليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد التزمت طوكيو لعقود طويلة بدستور سلمي يفرض قيوداً صارمة على التسلح والعمليات العسكرية. ومع ذلك، فإن البيئة الأمنية المتغيرة، التي وصفتها وزارة الدفاع اليابانية بأنها "الأخطر والأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب"، دفعت البلاد إلى إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية. وتعمل اليابان حالياً على الابتعاد التدريجي عن موقفها السلمي الصارم، متبنية استراتيجية أمن قومي جديدة تهدف إلى تعزيز قدراتها الردعية بشكل جذري.

التوترات الإقليمية ومسألة تايوان

يأتي إقرار هذه الميزانية الضخمة وسط تصاعد ملحوظ في التوتر بين طوكيو وبكين. وقد تفاقم هذا التوتر عقب تصريحات لرئيسة الوزراء تاكايشي، أشارت فيها بوضوح إلى احتمالية تدخل اليابان عسكرياً في حال تعرض تايوان لأي هجوم. وتعتبر هذه التصريحات تجاوزاً للخطوط الحمراء بالنسبة لبكين التي تعد الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها ولا تستبعد استخدام القوة لضمها. ويرى المراقبون أن تعزيز اليابان لقدراتها العسكرية، بما في ذلك تطوير صواريخ بعيدة المدى وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، يهدف بشكل أساسي إلى ردع أي محاولات لتغيير الوضع الراهن في مضيق تايوان بالقوة.

التزام بمعايير الناتو وتحديات الداخل

تسعى اليابان من خلال هذه الموازنة إلى مضاعفة إنفاقها العسكري ليصل إلى عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المعيار المعتمد لدى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا الهدف لا يحمل دلالات عسكرية فحسب، بل يرسل رسالة سياسية قوية حول التزام اليابان بلعب دور أكبر في الأمن العالمي. ومع ذلك، تواجه الحكومة تحديات داخلية جمة، حيث يتعين عليها الموازنة بين طموحاتها العسكرية وبين الضغوط الاقتصادية المتمثلة في شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، فضلاً عن ضرورة مكافحة التضخم الذي يؤثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى