
قطاع المياه السعودي: 90 عاماً من التطور ترويها جدارية بجدة
في قلب مدينة جدة، وضمن فعاليات “أسبوع المياه السعودي”، تجذب جدارية توثيقية أنظار الزوار لتروي قصة ملهمة تمتد لتسعة عقود من الزمن. هذه اللوحة ليست مجرد عمل فني، بل هي سجل تاريخي حافل يوثق التطور المذهل الذي شهده قطاع المياه السعودي، محولاً تحديات ندرة المياه في بيئة صحراوية إلى قصة نجاح عالمية في تحقيق الأمن المائي والاستدامة.
لم تكن رحلة تأمين المياه في المملكة العربية السعودية سهلة على الإطلاق. ففي بلد تغطي الصحاري معظم مساحته، شكلت ندرة المياه تحدياً وجودياً منذ فجر التاريخ. انطلقت الجهود المبكرة من الاعتماد على الآبار الجوفية المحدودة والأودية الموسمية، ولكن مع النمو السكاني والتوسع الحضري الذي شهدته المملكة، أدركت القيادة الرشيدة ضرورة التوجه نحو حلول مبتكرة ومستدامة. من هنا، بدأت رحلة الاستثمار الضخم في تقنيات تحلية مياه البحر، وهو القرار الاستراتيجي الذي وضع أسس الريادة السعودية الحالية في هذا المجال الحيوي، وجعل المملكة أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم.
من بئر ماء إلى ريادة عالمية: رحلة قطاع المياه السعودي
تستعرض الجدارية التسلسل الزمني لهذه الرحلة الطموحة، التي بدأت بخطواتها الأولى عام 1931 عبر الاستعانة بخبراء دوليين لدراسة التكوينات الجيولوجية وتحديد مصادر المياه الجوفية. وشهد عام 1947 توسعاً ملحوظاً في حفر الآبار وتأسيس المديرية العامة للزراعة، التي كانت نواة العمل المؤسسي في القطاع. شكل تأسيس وزارة الزراعة والمياه في عام 1953 نقطة تحول هامة، تلاها إنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في 1974، التي قادت ثورة تقنية في مجال تحلية المياه. ومع إطلاق شركة المياه الوطنية في 2008، دخل القطاع مرحلة جديدة من التطور تهدف لرفع كفاءة التشغيل والخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
بنية تحتية ضخمة بالأرقام
تعكس الأرقام التي عرضتها الجدارية حجم الإنجازات التي تحققت على الأرض. حيث وصلت السعة التخزينية الإجمالية للسدود في المملكة إلى 2.6 مليار متر مكعب موزعة على 574 سداً، مدعومة بخزن استراتيجي للمياه يقدر بنحو 21.8 مليون متر مكعب لضمان استمرارية الإمداد. وبحلول عام 2025، من المخطط تشغيل 40 محطة لتحلية المياه و160 محطة معالجة في مختلف المناطق. وتغطي شبكة خطوط نقل المياه المحلاة، التي تمتد لأكثر من 30 ألف كيلومتر، ما نسبته 84% من السكان، بينما تصل نسبة تغطية خدمات الصرف الصحي إلى 67%، مدعومة بشبكة تضم أكثر من ثمانية آلاف بئر مخصصة لمياه الشرب.
نحو مستقبل مستدام: السعودية كمركز دولي للأمن المائي
لم تتوقف طموحات المملكة عند تلبية الطلب المحلي، بل امتدت لتلعب دوراً محورياً على الساحة الدولية. ويبرز تأسيس “المنظمة العالمية للمياه” التي تتخذ من الرياض مقراً لها عام 2023، كدليل على سعي المملكة لتوحيد الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه. ويتعزز هذا الدور بتأسيس الهيئة السعودية للمياه والمركز الدولي لأبحاث المياه خلال العام الجاري. وتتجه الأنظار نحو المستقبل مع استضافة المملكة للمنتدى العالمي للمياه عام 2027، فيما تستهدف الخطط الاستراتيجية رفع تغطية خدمات المياه إلى 85% بحلول 2030، وتوسيع القدرات الإنتاجية لتصل إلى 21 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2050، مما يرسخ مكانة المملكة كقوة رائدة في مجال استدامة الموارد المائية عالمياً.


