
مراسم استبدال كسوة الكعبة المشرفة السنوية بالصور والتفاصيل
مع بزوغ فجر غرة شهر محرم من كل عام هجري، تتجه أنظار العالم الإسلامي بأسره إلى مكة المكرمة، حيث يجري الحدث السنوي المهيب المتمثل في استبدال كسوة الكعبة المشرفة، في مشهد يجسد أسمى معاني العناية والتبجيل لبيت الله الحرام. هذه المراسم التي تشرف عليها المملكة العربية السعودية، ليست مجرد عملية تغيير لغطاء الكعبة، بل هي تقليد عريق متجذر في التاريخ الإسلامي، يعكس استمرارية الرعاية الفائقة التي تُولى لأقدس بقاع الأرض.
ويعود تاريخ كسوة الكعبة إلى عصور ما قبل الإسلام، حيث كانت القبائل تتنافس على شرف كسوتها، واستمر هذا التقليد عبر العصور الإسلامية المختلفة، من العصر النبوي مرورًا بالخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية، وصولًا إلى الدولة العثمانية التي كانت ترسل الكسوة من مصر. ومع تأسيس المملكة العربية السعودية، أولى الملك عبد العزيز آل سعود -طيب الله ثراه- هذا الأمر اهتمامًا بالغًا، فأمر بإنشاء دار خاصة لصناعة الكسوة في مكة المكرمة عام 1927م، لتنتقل هذه الصناعة العريقة إلى حضنها الطبيعي بجوار البيت العتيق، وتصبح صناعة سعودية خالصة تجسد فخرًا وطنيًا وإسلاميًا.
إرث من الإتقان: صناعة كسوة الكعبة المشرفة
تتم صناعة ثوب الكعبة الجديد في “مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة”، وهو صرح صناعي فريد يجمع بين الحرفية اليدوية المتوارثة وأحدث التقنيات. تبدأ رحلة صناعة الكسوة قبل أشهر طويلة من موعد استبدالها، حيث يعمل فريق من أمهر الحرفيين والفنيين السعوديين على نسجها وتطريزها. تُصنع الكسوة من أجود أنواع الحرير الطبيعي الخالص الذي يتم صبغه باللون الأسود، ويستهلك الثوب الواحد حوالي 670 كيلوجرامًا من الحرير. أما الآيات القرآنية والنقوش الإسلامية التي تزينها، فتُطرّز بخيوط من الذهب والفضة، حيث يُستخدم حوالي 120 كيلوجرامًا من أسلاك الذهب و100 كيلوجرام من أسلاك الفضة، مما يمنحها مظهرًا مهيبًا يليق بمكانة الكعبة.
حدث يترقبه العالم الإسلامي
لا تقتصر أهمية استبدال الكسوة على الجانب المحلي، بل تمثل حدثًا ذا بعد عالمي يتابعه المسلمون في شتى بقاع الأرض بشغف وتقدير. إنها لحظة رمزية تعبر عن تجدد العهد وتجدد العام الهجري، وتذكر المسلمين بوحدتهم وتوجههم نحو قبلة واحدة. وتُجرى عملية الاستبدال بواسطة فريق فني متخصص من الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث يتم إنزال الكسوة القديمة وتركيب الجديدة قطعة تلو الأخرى في عملية دقيقة ومنظمة تستغرق عدة ساعات، وتتضمن فك أجزاء الثوب القديم وتثبيت القطع الجديدة بدءًا من جهة الحِجر، ثم رفع كل جنب من جوانب الكعبة الأربعة على حدة، وتثبيت الحزام المطرز وتجهيز ستارة الباب.
ومع اكتمال المراسم، تظهر الكعبة المشرفة في حلتها الجديدة، لتبدأ عامًا هجريًا جديدًا وهي ترتدي ثوبًا من الإجلال والبهاء، في مشهد يبعث على السكينة في قلوب المؤمنين ويؤكد على العناية المستمرة التي تحظى بها المقدسات الإسلامية تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين.



