
إنجاز سعودي: تحويل CO2 إلى وقود الطيران المستدام بكفاءة قياسية
في خطوة تمثل قفزة نوعية نحو مستقبل الطيران الأخضر، نجح فريق بحثي مشترك من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وشركة أرامكو السعودية في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، مسجلين أعلى كفاءة قياسية معلنة حتى الآن في تحويل ثاني أكسيد الكربون مباشرة إلى وقود الطيران المستدام (SAF). هذا الإنجاز لا يضع المملكة في طليعة الابتكار العالمي في قطاع الطاقة النظيفة فحسب، بل يقدم حلاً واعداً لأحد أكثر التحديات البيئية إلحاحاً في عصرنا.
نحو سماء أنظف: أهمية وقود الطيران المستدام
يأتي هذا التطور في سياق حاسم يتجه فيه العالم بأسره نحو خفض الانبعاثات الكربونية لمواجهة التغير المناخي، وفقاً لأهداف اتفاقية باريس. ويُعتبر قطاع الطيران من أصعب القطاعات في عملية إزالة الكربون، نظراً لاعتماده الكلي على الوقود السائل عالي الكثافة لتشغيل محركات الطائرات في الرحلات الطويلة، وهو ما لا يمكن للبطاريات الكهربائية أو الهيدروجين توفيره بكفاءة حتى الآن. من هنا، برز وقود الطيران المستدام كبديل استراتيجي للوقود الأحفوري التقليدي، حيث يمكنه تقليل البصمة الكربونية لقطاع الطيران بنسبة تصل إلى 80%.
تاريخياً، اعتمد إنتاج هذا الوقود على مصادر حيوية مثل الزيوت النباتية والنفايات العضوية، لكن هذه المسارات تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة وقابلية التوسع والتأثير على الموارد الغذائية. لذلك، يمثل تحويل ثاني أكسيد الكربون، وهو من أبرز غازات الدفيئة، إلى وقود صالح للاستخدام، حلاً مثالياً يساهم في تحقيق اقتصاد كربوني دائري، حيث يتم التقاط الانبعاثات الضارة وإعادة تدويرها إلى منتج ذي قيمة عالية.
ابتكار سعودي يفتح آفاقاً جديدة
الدراسة التي نُشرت في المجلة العلمية المرموقة “ChemCatalysis”، كشفت عن تطوير محفز كيميائي مبتكر قادر على تحويل ثاني أكسيد الكربون بكفاءة استثنائية إلى هيدروكربونات طويلة السلسلة، وهي المكونات الأساسية لوقود الطائرات. وقد حقق النظام الجديد كفاءة غير مسبوقة، حيث شكّلت المركبات التي تفي بمتطلبات وقود الطائرات حوالي 75% من السائل الناتج. والأهم من ذلك، أثبت المحفز استقراراً تشغيلياً فائقاً لأكثر من 1000 ساعة متواصلة، وهو مؤشر حاسم على جدواه للتطبيق الصناعي على نطاق واسع.
ولتجاوز التحديات التقليدية في اكتشاف المحفزات، استعان الفريق البحثي بتقنيات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف التركيبات المحتملة، مما أدى إلى تحديد تركيبة غير تقليدية غنية بالنحاس تفوقت على جميع المحفزات المعروفة سابقاً. هذا النهج المبتكر يجسد التكامل بين الكيمياء المتقدمة وعلوم البيانات لتسريع وتيرة الاكتشافات العلمية.
تأثير استراتيجي يتماشى مع رؤية 2030
يحمل هذا الإنجاز أهمية استراتيجية كبرى للمملكة العربية السعودية والعالم. فعلى الصعيد المحلي، يتماشى هذا البحث بشكل مباشر مع أهداف رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، التي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة، وتطوير تقنيات مستدامة، وتعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي للبحث والابتكار في مجال الطاقة النظيفة. كما يعكس هذا التعاون المثمر بين مؤسسة أكاديمية رائدة مثل “كاوست” وعملاق صناعي مثل “أرامكو” قوة المنظومة الوطنية للبحث والتطوير.
أما على الصعيد الدولي، فإن هذه التقنية الواعدة تضع معياراً جديداً في مجال تحويل ثاني أكسيد الكربون، وتقدم أملاً حقيقياً لشركات الطيران والحكومات التي تسعى جاهدة لتحقيق أهدافها المناخية. ومع أن الطريق نحو التطبيق التجاري لا يزال يتطلب المزيد من جهود التوسع والتقييم الاقتصادي، إلا أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة عملاقة نحو مستقبل يكون فيه السفر الجوي أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.



