
تقييم عالمي يكشف اضطرابات الحياة البحرية بتجاوز حرارة 1.5 درجة
في خطوة علمية رائدة، قاد باحثون من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) أول تقييم عالمي شامل يرصد استجابة الأنظمة البيئية البحرية خلال عام تجاوزت فيه درجات الحرارة العالمية، مؤقتًا، عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. توثق الدراسة، التي نُشرت في مجلة One Earth المرموقة، أكثر من 200 تأثير بيئي على المحيطات حول العالم، وتقدم دليلاً قاطعاً على أن اضطرابات الحياة البحرية لم تعد ظاهرة موسمية تقتصر على موجات الحر الصيفية، بل أصبحت تهديدًا مستمرًا على مدار العام.
يأتي هذا البحث في لحظة حرجة عالميًا، حيث يمثل حد 1.5 درجة مئوية الهدف الأكثر طموحًا الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، وهو المستوى الذي حذر العلماء من أن تجاوزه سيؤدي إلى عواقب مناخية كارثية ومتزايدة. وعلى الرغم من أن التجاوز الذي شهده عام 2023 كان مؤقتًا، إلا أنه يُعد بمثابة جرس إنذار شديد اللهجة، يكشف عن مدى هشاشة النظم البيئية للكوكب. لقد امتصت المحيطات أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الأنشطة البشرية، مما يجعلها في خط المواجهة المباشر مع تغير المناخ، وهذا التقييم الذي قادته كاوست يقدم لمحة واقعية عن العواقب المترتبة على ذلك.
مؤشرات مقلقة من أعماق المحيطات
اعتمدت الدراسة على تحليل 201 حالة موثقة من مختلف محيطات العالم، مستندةً إلى مجموعة واسعة من المصادر شملت الأبحاث العلمية، برامج الرصد الحكومية، الملاحظات الميدانية، والتقارير الإعلامية بـ 17 لغة. وكشفت النتائج عن مجموعة واسعة من التأثيرات البيئية المدمرة، شملت ابيضاض الشعاب المرجانية على نطاق واسع، وازدهار الطحالب الضارة، وحالات نفوق جماعي للكائنات البحرية، واضطراب الموائل الطبيعية، وتأثر مصائد الأسماك التي يعتمد عليها ملايين البشر. وأكد الباحثون أن هذه الظواهر لم تقتصر على أشهر الصيف، بل رُصدت في مختلف فصول السنة، مما يستدعي ضرورة تطوير أنظمة رصد واستجابة تعمل على مدار العام لمواجهة هذه التحديات المتنامية.
نطاق اضطرابات الحياة البحرية وتداعياتها المستقبلية
أوضحت الدكتورة شانون كلاين، المؤلفة الرئيسية للدراسة وعالمة الأبحاث في كاوست، أن النتائج تقدم صورة واقعية عن استجابة النظم البيئية البحرية خلال فترة استثنائية من ارتفاع حرارة المحيطات. وأظهر التحليل أن 98% من الآثار البيئية الموثقة ارتبطت بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح البحر. كما أسهمت عوامل أخرى، مثل العواصف والظواهر الجوية المتطرفة، في تفاقم تأثيرات الاحترار. من جانبه، أشار البروفيسور كارلوس دوارتي، كبير مؤلفي الدراسة، إلى أن هذه النتائج توفر قاعدة معرفية حيوية لدعم جهود الرصد والحفاظ على البيئات البحرية، لا سيما في مناطق فريدة وحساسة مثل البحر الأحمر، وتساعد صنّاع القرار على تحديد المناطق الأكثر عرضة للمخاطر البيئية والاجتماعية والاقتصادية إذا استمرت درجات الحرارة العالمية في مسارها الحالي.
يمثل هذا التقييم السريع خطوة أولى ومهمة لفهم الآثار الفورية للاحترار الشديد، ويؤكد الباحثون أن نتائجه ستخضع لمزيد من التحقق مع استمرار تراكم البيانات. وتأتي هذه الجهود العلمية في وقت تواصل فيه المملكة العربية السعودية استثماراتها في حماية البيئات البحرية وتنمية الاقتصاد الأزرق المستدام، بما يتماشى مع رؤية 2030، ويعزز مكانتها كقوة مؤثرة في مجال الحفاظ على النظم البيئية البحرية عالميًا.


