تقنية كاوست لاستخلاص الكربون: حل سعودي لخفض انبعاثات السفن

تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها الريادية في مجال الاستدامة البيئية والابتكار العلمي، حيث تقود جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) حراكاً علمياً غير مسبوق لمواجهة تحديات التغير المناخي. وفي خطوة تمثل نقلة نوعية في هذا المجال، نجح فريق بحثي في الجامعة في تطوير حلول تقنية مبتكرة تستهدف خفض الانبعاثات الصناعية والبحرية بكفاءة عالية، مما يعزز من جهود المملكة للوصول إلى الحياد الصفري.
تقنية “التجميد”.. مفهوم جديد لاستخلاص الكربون
تقود «كاوست» منذ عام 2020 أبحاثاً متقدمة في تقنية «الاستخلاص المُبرّد للكربون» (CCC)، والتي انتقلت بنجاح من أروقة المختبرات إلى التطبيق الميداني. وأوضح الدكتور ساي شرينيفاس سريدهاران، المدير التقني للمبادرة، أن الابتكار يكمن في تطوير وحدات استخلاص محمولة وذكية، صُممت هندسياً لتحاكي مكعبات «الليغو»، مما يسمح بتركيبها وتكديسها بسهولة على متن السفن التجارية.
وتتميز هذه التقنية بقدرتها الفريدة على التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت في آن واحد خلال الرحلات البحرية التي قد تمتد لشهر كامل، ليتم بعد ذلك تفريغ الحمولة ومعالجتها في محطات برية متخصصة، مما يلغي الحاجة إلى أنظمة التنظيف الكيميائية التقليدية والمكلفة.
سياق عالمي وأهمية استراتيجية للحدث
تأتي هذه الخطوة في توقيت حاسم يواجه فيه قطاع النقل البحري ضغوطاً دولية متزايدة، لا سيما من المنظمة البحرية الدولية (IMO)، لخفض بصمته الكربونية. ويُعد النقل البحري شريان التجارة العالمية، لكنه يعتمد بشكل كبير على الوقود الثقيل، مما يجعل من تقنية «كاوست» حلاً جذرياً يسمح للسفن الحالية بالعمل بطريقة أنظف دون الحاجة لاستبدالها فوراً، وهو ما يمثل حلاً اقتصادياً وبيئياً مستداماً.
وعلى الصعيد الوطني، ينسجم هذا الابتكار تماماً مع مبادرة السعودية الخضراء ومستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تتبنى نهج «الاقتصاد الدائري للكربون». وتعمل هذه التقنية على سد الفجوة الانتقالية نحو أنواع وقود أنظف، مما يدعم هدف المملكة الطموح للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060.
شراكات استراتيجية وجاهزية تجارية
لم يقف المشروع عند حدود البحث النظري، بل حقق قفزات نوعية في الجاهزية التقنية (TRL 6) من خلال تطبيقه في محطة رابغ للطاقة. وفي نوفمبر 2024، أطلقت الجامعة مشروعاً بحثياً استعراضياً هو الأول من نوعه عالمياً بالشراكة مع الشركة السعودية للكهرباء، لتطبيق تقنية التجميد لاحتجاز ملوثات متعددة في وقت واحد.
ويعتمد النموذج التشغيلي للمشروع على مفهوم «المركز والأطراف»، حيث يتم احتجاز الكربون في المصدر (السفن أو المصانع) ومعالجته مركزياً. وتستعد التقنية حالياً لمرحلة الانتشار التجاري، مع خطط لإثبات القدرة على احتجاز نحو 30 طناً من الكربون يومياً.
تقدير دولي وجوائز مرموقة
حظي الابتكار السعودي باهتمام عالمي واسع، وتوج هذا النجاح بحصول مبادرة الاستخلاص المُبرّد للكربون على جائزتين مرموقتين في عام 2025، وهما جائزة الإمارات للطاقة وجائزة «أفضل مشروع للبحث والتطوير» من جوائز آسيا للطاقة، مما يؤكد كفاءة الحلول السعودية وقدرتها على المنافسة عالمياً في سوق التقنيات الخضراء.



