الاتحاد الأوروبي يعلق ضريبة الكربون على الأسمدة لدعم المزارعين

في تطور لافت يعكس استجابة صناع القرار في بروكسل للضغوط المتزايدة من القطاع الزراعي، أعلنت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جنيفارد، أن الاتحاد الأوروبي بصدد تعليق الرسوم الجمركية المتعلقة بانبعاثات الكربون على الأسمدة. وتأتي هذه الخطوة كمحاولة مباشرة لدعم المزارعين الذين يواجهون تحديات اقتصادية غير مسبوقة تهدد استمرارية سلاسل الإمداد الغذائي في القارة العجوز.
تفاصيل القرار وتأثيره المباشر
أكدت الوزيرة الفرنسية عبر تدوينة رسمية على منصة «X»، أن المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش سيفكوفيتش، قد أوضح بشكل قاطع إمكانية تعليق «آلية تعديل حدود الكربون» (CBAM) على واردات الأسمدة. والمثير للاهتمام في هذا القرار هو نيّة تطبيقه بأثر رجعي اعتباراً من الأول من يناير الجاري. وعلقت جنيفارد قائلة: «هذا خبر سار ومريح لمزارعينا، وبالتالي لا يوجد أي مبرر لمستوردي الأسمدة لرفع أسعارها»، مشيرة إلى أن هذا الإجراء يجب أن ينعكس فوراً على فواتير الشراء التي أثقلت كاهل المنتجين.
خلفية الاحتجاجات وأزمة التكاليف
لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق العام الذي تعيشه أوروبا، حيث شهدت فرنسا وعدة دول أوروبية أخرى موجة عارمة من احتجاجات المزارعين. يرفع المحتجون أصواتهم ضد ما يصفونه بـ «تسونامي» ارتفاع التكاليف التشغيلية، واللوائح البيئية الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي في إطار «التحول الأخضر». وتعتبر الأسمدة مدخلاً أساسياً في الإنتاج الزراعي، وقد شهدت أسعارها تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً لارتباط صناعة الأسمدة بأسعار الغاز الطبيعي، مما جعل أي رسوم إضافية بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للكثير من المزارعين.
ما هي آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)؟
لفهم أهمية هذا التعليق، يجب النظر إلى طبيعة الآلية نفسها. تهدف آلية تعديل حدود الكربون، التي دخلت حيز التنفيذ التجريبي، إلى حماية الصناعات الأوروبية من «المنافسة غير العادلة» القادمة من دول لا تطبق معايير مناخية صارمة. وتفرض الآلية رسوماً على الواردات كثيفة الكربون مثل الحديد، والصلب، والأسمنت، والأسمدة. ورغم نبل الهدف البيئي المتمثل في منع «تسرب الكربون» (نقل المصانع لدول أقل التزاماً بيئياً)، إلا أن تطبيقها على الأسمدة وضع المزارع الأوروبي في مواجهة مباشرة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما هدد بتراجع التنافسية أمام المنتجات الزراعية المستوردة.
الأبعاد الدولية والاقتصادية
يحمل هذا التوجه دلالات اقتصادية وسياسية عميقة؛ فهو يشير إلى مرونة الاتحاد الأوروبي في مراجعة سياساته المناخية عندما تتعارض مع الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. كما أن هذه الآلية كانت محط انتقاد شديد من الشركاء التجاريين الدوليين، وعلى رأسهم الصين والبرازيل، الذين اعتبروها شكلاً من أشكال الحمائية التجارية المقنعة بغطاء بيئي. ومن المتوقع أن يساهم تعليق الضريبة في تهدئة الأسواق وتوفير متنفس مالي للمزارعين، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مستقبل الالتزامات المناخية للاتحاد الأوروبي وكيفية الموازنة بين الأهداف البيئية طويلة الأمد والواقع الاقتصادي الراهن.



