مفاوضات دمشق والإدارة الذاتية: مظلوم عبدي يبحث مستقبل المنطقة

كشفت مصادر مطلعة عن وصول وفد رفيع المستوى من «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، يضم القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، إلى العاصمة السورية دمشق. وتأتي هذه الزيارة في إطار جولة جديدة من المفاوضات المعقدة بين الجانبين، تهدف إلى إيجاد صيغة توافقية لمستقبل المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد.
سياق الزيارة والخلفية التاريخية للمفاوضات
تتسم العلاقة بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 بحالة من «اللاحرب واللاسلم»، حيث تجنب الطرفان الصدام العسكري المباشر في معظم الأحيان، مع وجود قنوات اتصال مفتوحة بوساطة روسية غالباً. وقد جرت عدة جولات سابقة من الحوار في دمشق والقامشلي وقاعدة حميميم الروسية، إلا أنها لم تفضِ إلى اتفاق نهائي شامل بسبب تباين الرؤى الجوهرية.
تتمحور نقاط الخلاف الرئيسية تاريخياً حول شكل الحكم؛ فبينما تصر دمشق على استعادة السيطرة المركزية الكاملة على كافة الأراضي السورية وحل التشكيلات العسكرية الرديفة، تطالب الإدارة الذاتية بالاعتراف الدستوري بإدارتها اللامركزية، والحفاظ على خصوصية «قوات سوريا الديمقراطية» كجزء من المنظومة الدفاعية السورية ولكن بخصوصية قيادية، وهو ما شكل عقبة كأداء في المحادثات السابقة.
الدوافع الجيوسياسية والضغوط الإقليمية
تكتسب هذه الجولة الجديدة أهمية استثنائية نظراً للتوقيت الحساس الذي تمر به المنطقة. فمن جهة، تتصاعد التهديدات التركية بشن عمليات عسكرية برية جديدة ضد مناطق نفوذ «قسد» في الشمال السوري، مما يدفع القيادة الكردية للبحث عن مظلة حماية سياسية وعسكرية عبر التفاهم مع دمشق. ومن جهة أخرى، يسود الغموض حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مما يجعل الاعتماد الكلي على الحليف الأمريكي خياراً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للإدارة الذاتية.
الأهمية الاقتصادية والسياسية للتقارب المحتمل
على الصعيد الاقتصادي، يعتبر ملف شمال شرق سوريا حيوياً بالنسبة للحكومة السورية، حيث تضم المنطقة معظم ثروات البلاد من النفط والغاز، بالإضافة إلى كونها «سلة غذاء سوريا» لإنتاجها الوفير من القمح. إن أي اتفاق يعيد ربط اقتصاد هذه المنطقة بالمركز سيساهم بشكل كبير في تخفيف الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد.
أما سياسياً، فإن نجاح هذه المفاوضات قد يشكل نقطة تحول في مسار الحرب السورية، حيث سيعزز من سيادة الدولة السورية على حدودها، ويقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، ويعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد بما يضمن حقوق المكونات المختلفة ضمن إطار الدولة الواحدة. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الجولة مرهوناً بمدى مرونة الطرفين وقدرتهما على تقديم تنازلات مؤلمة من أجل المصلحة الوطنية العليا.



