دليل المستفيد الحقيقي: قواعد جديدة لمكافحة غسل الأموال

في خطوة تهدف إلى تعزيز نزاهة النظام المالي وحمايته من الاستغلال في الجرائم المالية، أصدرت وزارة التجارة دليلاً إرشادياً شاملاً حول إجراءات "العناية الواجبة بالعميل"، مع التركيز بشكل أساسي على تحديد هوية المستفيد الحقيقي. يأتي هذا الدليل كمرجع عملي للتجار والمنشآت التجارية، وخاصة العاملين في قطاع المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، لضمان الامتثال للأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها نظام مكافحة غسل الأموال ونظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله.
سياق الالتزام بالمعايير الدولية
يأتي إصدار هذا الدليل في إطار جهود المملكة المستمرة لمواءمة تشريعاتها المالية والتجارية مع المعايير الدولية، وتحديداً توصيات مجموعة العمل المالي (FATF). وتسعى المملكة من خلال هذه الإجراءات إلى سد الثغرات التي قد يستغلها المجرمون لإخفاء المتحصلات غير المشروعة عبر هياكل تجارية معقدة. ويُعد تحديد "المستفيد الحقيقي" حجر الزاوية في كشف الشبكات التي تحاول غسل الأموال أو تمويل أنشطة محظورة، مما يعزز من مكانة الاقتصاد السعودي كبيئة استثمارية آمنة وشفافة تحظى بثقة المجتمع الدولي.
من هو المستفيد الحقيقي؟
وفقاً للدليل الجديد والمادة (15/1) من نظام مكافحة غسل الأموال، يُعرف المستفيد الحقيقي بأنه الشخص الطبيعي (الإنسان) الذي يمتلك أو يمارس سيطرة فعلية نهائية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، على العميل أو المنشأة. وحدد الدليل معايير واضحة لهذه الملكية والسيطرة، أبرزها:
- امتلاك نسبة 25% أو أكثر من رأس مال الشخص الاعتباري.
- القدرة على اتخاذ قرارات جوهرية أو تعيين وعزل الإدارة العليا.
- ممارسة السيطرة عبر وسائل أخرى غير الملكية المباشرة للأسهم.
وأكدت الوزارة أنه في حال تعذر تحديد شخص طبيعي يمتلك حصة مسيطرة، يجب تحديد الشخص الذي يشغل منصب مسؤول الإدارة العليا كحل أخير.
مخاطر الهياكل المعقدة والكيانات الاعتبارية
سلط الدليل الضوء على التحديات التي تفرضها الكيانات القانونية مثل الشركات، الأوقاف، والمؤسسات الأهلية، والتي قد تُستخدم كواجهة لإخفاء هوية المستفيدين الحقيقيين. يلجأ غاسلو الأموال غالباً إلى إنشاء طبقات متعددة من الشركات الوهمية أو الترتيبات القانونية المعقدة لفصل أنفسهم عن الأصول غير المشروعة. وهنا تبرز أهمية إجراءات العناية الواجبة التي تفرضها الوزارة، حيث لم يعد كافياً الاعتماد على المعلومات السطحية للمساهمين، بل يجب الغوص في تفاصيل هيكل الملكية للوصول إلى الأفراد المسيطرين فعلياً.
التزامات التجار وقطاع الذهب والمجوهرات
يفرض الدليل التزامات دقيقة على التجار، وخصوصاً تجار الذهب والأحجار الكريمة، نظراً لطبيعة سلعهم عالية القيمة التي قد تكون جذابة لغاسلي الأموال. وتشمل هذه الالتزامات:
- فهم هيكل الملكية: يجب على التاجر فهم الطبيعة القانونية للعميل وهيكل ملكيته وسيطرته.
- التحقق من الهوية: استخدام وثائق وبيانات من مصادر موثوقة ومستقلة للتحقق من هوية المستفيد الحقيقي.
- المراقبة المستمرة: لا تنتهي العناية الواجبة عند بدء العلاقة التجارية، بل تتطلب تحديثاً دورياً للبيانات ومراقبة للعمليات، خاصة عند حدوث تغييرات في هيكل الملكية أو الإدارة.
الأثر الاقتصادي والأمني
إن تطبيق هذه المعايير بصرامة لا يحمي فقط المنشآت التجارية من التورط غير المقصود في جرائم مالية، بل يساهم بشكل مباشر في حماية الاقتصاد الوطني من التدفقات المالية المشبوهة. كما أن الشفافية في تحديد المستفيد الحقيقي تعزز من عدالة المنافسة التجارية وتمنع استغلال القطاع التجاري كقناة لتمويل الإرهاب أو انتشار التسلح، مما يدعم الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي في المنطقة.



