الريال الإيراني يسجل أدنى سعر تاريخي أمام الدولار

شهدت أسواق الصرف الأجنبي في طهران موجة جديدة من الاضطرابات العنيفة، حيث سجل الريال الإيراني أدنى مستوى تاريخي له مقابل الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الرئيسية، في سابقة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد. ويأتي هذا التدهور المتسارع ليزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية وعلى المواطنين الذين يعانون من تآكل قدرتهم الشرائية بشكل غير مسبوق.
سياق التدهور الاقتصادي والخلفية التاريخية
لم يكن هذا الانهيار وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية وسياسية ممتدة لسنوات. منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الصارمة، فقدت العملة الإيرانية جزءاً هائلاً من قيمتها. وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الريال فقد أكثر من عشرة أضعاف قيمته منذ ذلك الحين، مما جعل الاقتصاد الإيراني في حالة من عدم اليقين المستمر.
وتلعب العزلة عن النظام المالي العالمي دوراً محورياً في هذا التراجع، حيث تواجه طهران صعوبات جمة في الوصول إلى احتياطياتها من النقد الأجنبي أو إجراء تحويلات بنكية دولية، مما يقلل من المعروض من العملة الصعبة داخل السوق المحلي ويدفع الأسعار في السوق الموازية (السوق السوداء) إلى مستويات قياسية.
الأسباب المباشرة وغير المباشرة
إلى جانب العقوبات الدولية، يرى الخبراء الاقتصاديون أن هناك عوامل داخلية تساهم في تسريع وتيرة الانهيار، أبرزها:
- معدلات التضخم المرتفعة: يعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم مزمن يتجاوز في كثير من الأحيان حاجز الـ 40%، مما يضعف الثقة في العملة المحلية ويدفع المواطنين لاستبدال مدخراتهم بالدولار أو الذهب.
- السياسات النقدية: يواجه البنك المركزي الإيراني تحديات في ضبط السيولة النقدية، مع استمرار طباعة النقود لتغطية العجز في الموازنة العامة.
- التوترات الجيوسياسية: تؤثر الأوضاع غير المستقرة في منطقة الشرق الأوسط وتورط طهران في ملفات إقليمية شائكة على معنويات السوق وتنفّر الاستثمارات الأجنبية المحتملة.
التأثيرات المتوقعة محلياً وإقليمياً
إن استمرار تهاوي قيمة الريال يحمل تداعيات خطيرة على الحياة اليومية للمواطن الإيراني. فقد أدى ارتفاع سعر الصرف إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية والأجهزة الإلكترونية، حيث يتم استيراد جزء كبير من هذه المواد أو مدخلات إنتاجها بالعملة الصعبة.
على الصعيد الإقليمي، يراقب الاقتصاديون الوضع بحذر، حيث أن عدم استقرار الاقتصاد الإيراني قد يلقي بظلاله على التبادلات التجارية مع دول الجوار، خاصة تلك التي تعتمد على الغاز أو الكهرباء الإيرانية، أو التي ترتبط بعلاقات تجارية حدودية نشطة.
وفي الختام، يبقى مستقبل الريال الإيراني مرهوناً بحدوث انفراجة سياسية دولية محتملة، أو نجاح الحكومة في تطبيق إصلاحات هيكلية جذرية، وهو ما يبدو تحدياً صعباً في ظل المعطيات الراهنة.



