الناتو: أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها دون أمريكا وخطط لحدود ذكية

في تصريحات حاسمة تقطع الشك باليقين حول مستقبل الأمن في القارة العجوز، أكد الأمين العام لـ حلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، يوم الاثنين، أن أوروبا لا تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها بمعزل عن الولايات المتحدة. تأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الدعوات داخل الأروقة الأوروبية لتعزيز “الاستقلال الاستراتيجي”، خاصة في ظل التوترات الأخيرة المتعلقة بملف غرينلاند والمفاوضات الدفاعية الجارية.
وقال روته بلهجة حادة أمام نواب البرلمان الأوروبي: “إذا كان أي شخص هنا يعتقد مجدداً أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة – فليستمر في الحلم. لا يمكنك ذلك”. هذا التصريح يعيد تسليط الضوء على الواقع الجيوسياسي الذي يحكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث شكلت واشنطن العمود الفقري للأمن الأوروبي.
سياق التوترات والحاجة للمظلة الأمريكية
تكتسب تصريحات روته أهمية خاصة في ظل الظروف الراهنة، حيث تواجه أوروبا تحديات أمنية غير مسبوقة منذ عقود، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية التي كشفت عن فجوات كبيرة في القدرات الدفاعية الأوروبية، بدءاً من نقص الذخائر وصولاً إلى الاعتماد على الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي. وتأتي الإشارة إلى “غرينلاند” لتذكر بالأهمية الاستراتيجية لمنطقة القطب الشمالي، حيث تسعى الولايات المتحدة والدنمارك لإعادة صياغة اتفاقياتهما الدفاعية لضمان عدم تمدد النفوذ الروسي أو الصيني في تلك المنطقة الحيوية، مما يؤكد أن الأمن الأوروبي مرتبط عضوياً بالقدرات الأمريكية العالمية.
خطة “المنطقة المؤتمتة” على حدود روسيا
وفي سياق تعزيز الردع، يخطط حلف شمال الأطلسي لقفزة نوعية في استراتيجيته الدفاعية على الحدود الشرقية مع روسيا خلال العامين المقبلين. وتتمثل الخطة في إنشاء منطقة دفاع “مؤتمتة” تعتمد بشكل شبه كلي على التكنولوجيا المتقدمة بدلاً من الحشود البشرية التقليدية.
وكشف الجنرال توماس لوين، نائب رئيس هيئة العمليات في قيادة القوات البرية التابعة للناتو في إزمير بتركيا، لصحيفة “فيلت أم تسونتاغ” الألمانية، تفاصيل هذا المشروع الطموح. وأوضح أن هذا الحزام الدفاعي سيتضمن منطقة محرمة يتعين على أي قوة معادية عبورها، واصفاً إياها بأنها “نوع من المنطقة الساخنة”. تعتمد هذه المنطقة على أجهزة استشعار متطورة، وطائرات مسيرة، وأنظمة مراقبة تعمل بالذكاء الاصطناعي، مما يقلل من المخاطر البشرية ويزيد من سرعة الاستجابة لأي تحركات مريبة.
التداعيات الإقليمية والدولية
يحمل هذا التوجه دلالات استراتيجية عميقة؛ فعلى الصعيد الإقليمي، يمثل هذا التحول محاولة من الناتو لتعويض النقص العددي في الجيوش الأوروبية مقارنة بالقدرات البشرية الروسية، عبر التفوق التكنولوجي. أما دولياً، فإن الاعتماد على “الدفاع المؤتمت” قد يغير قواعد الاشتباك التقليدية، ويفرض سباق تسلح جديد يركز على التكنولوجيا والأنظمة غير المأهولة. كما أن التأكيد على الدور الأمريكي يرسل رسالة واضحة إلى موسكو وبكين بأن وحدة الحلف الأطلسي غير قابلة للتفكك، رغم التباينات السياسية الداخلية التي قد تظهر بين الحين والآخر.



