الناتو يطلق مهمة حارس القطب الشمالي بعد أزمة جرينلاند

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الدولي بالمنطقة القطبية، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يوم الثلاثاء عن شروعه في التخطيط لمهمة أمنية جديدة تهدف إلى تعزيز وجوده في القطب الشمالي. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في أعقاب الجدل السياسي الذي أثاره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمطالبته بضم جزيرة جرينلاند، مبرراً ذلك بضرورة حماية المنطقة وتأمين المصالح الغربية فيها.
تفاصيل مهمة “حارس القطب الشمالي”
أكد مارتن أودونيل، المتحدث الرسمي باسم القيادة العليا لقوات الحلف في أوروبا، أن التحضيرات جارية لإطلاق مهمة مراقبة مُعززة أُطلق عليها اسم “حارس القطب الشمالي”. وأوضح أودونيل أن هذه العملية تهدف بشكل أساسي إلى “تعزيز الحضور الميداني والرقابي للناتو في القطب الشمالي ومناطق أقصى الشمال”، مشيراً إلى أن الحلف يسعى لضمان استقرار المنطقة في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، دون أن يفصح عن تفاصيل لوجستية دقيقة حول حجم القوات أو نوعية المعدات المزمع نشرها.
وتُحاكي هذه المهمة في طبيعتها العمليات التي أطلقها الحلف سابقاً في منطقة بحر البلطيق وعلى الجبهة الشرقية، والتي كانت تهدف لردع أي تهديدات محتملة وتأمين حدود الحلفاء. ويُنظر إلى هذا التحرك كأحد الخيارات العسكرية والدبلوماسية المطروحة لترسيخ الأمن في الدائرة القطبية الشمالية، وهو الدافع الذي استند إليه الرئيس الأمريكي في إعلانه السابق عن رغبته في شراء جرينلاند.
الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية للقطب الشمالي
لا يمكن فصل هذا الإعلان عن السياق العام للتنافس الدولي المحتدم حول القطب الشمالي. فمع ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد، بدأت تظهر ممرات ملاحية جديدة قد تغير خريطة التجارة العالمية، بالإضافة إلى الكشف عن ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز ومعادن نادرة. هذه العوامل جعلت من المنطقة ساحة تنافس بين القوى العظمى، حيث عززت روسيا وجودها العسكري في الشمال، وبدأت الصين تصف نفسها بأنها “دولة قريبة من القطب الشمالي”، مما دفع الناتو لإعادة تقييم استراتيجيته الدفاعية في المنطقة.
وتعتبر جرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي وتتبع للدنمارك (العضو في الناتو)، نقطة ارتكاز حيوية في هذا الصراع، نظراً لموقعها الجغرافي الذي يتحكم في المنافذ بين القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، واحتوائها على قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية الاستراتيجية.
احتواء الأزمة الدبلوماسية
على الصعيد السياسي، تسببت تصريحات ترامب بشأن جرينلاند في واحدة من أكثر الأزمات حساسية داخل أروقة الناتو منذ تأسيسه عام 1949، حيث اعتبرت الدنمارك الفكرة “سخيفة”، مما أدى لتوتر مؤقت. إلا أن الرئيس الأمريكي عاد واستبعد خيار الاستيلاء بالقوة على الجزيرة، مفضلاً المسار التفاوضي.
وفي محاولة لرأب الصدع وتوحيد الرؤى، أشار ترامب إلى توصله لإطار اتفاق مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ورغم عدم الإعلان عن تفاصيل هذا الاتفاق الإطاري، إلا أن المراقبين يرجحون أنه يتعلق بآليات مشتركة لتقاسم الأعباء الأمنية في الشمال وزيادة الاستثمارات الدفاعية، بما يضمن المصالح الأمريكية والأوروبية دون المساس بسيادة الدول الأعضاء.



