انتهاء معاهدة نيو ستارت: الكرملين يحذر من خطر نووي عالمي

في تحذير شديد اللهجة يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية، نبّه الكرملين يوم الثلاثاء إلى خطورة الوضع الأمني العالمي مع اقتراب موعد انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت”، وهي آخر ركيزة للحد من التسلح النووي بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا. وأكد دمتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، أن العالم سيواجه خلال أيام قليلة وضعاً غير مسبوق من حيث الخطورة، حيث ستجد واشنطن وموسكو نفسيهما، وللمرة الأولى منذ عقود، دون أي إطار قانوني يضبط ترسانتيهما النوويتين الأضخم في العالم.
ووصف بيسكوف هذا التطور بأنه “أمر بالغ السوء لأمن العالم”، مشيراً إلى الفراغ الاستراتيجي الذي سيخلفه انتهاء المعاهدة يوم الخميس المقبل، مما يفتح الباب أمام احتمالات سباق تسلح جديد غير مقيد.
تاريخ المعاهدة وأهميتها الاستراتيجية
لفهم حجم المخاطر الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي لمعاهدة “نيو ستارت” (New START). تم توقيع هذه الاتفاقية في براغ عام 2010 بين الرئيسين آنذاك باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011. جاءت المعاهدة كخليفة لاتفاقيات سابقة (مثل ستارت 1 ومعاهدة موسكو)، وهدفت بشكل أساسي إلى تعزيز الشفافية والثقة بين الخصمين السابقين في الحرب الباردة، وضمان “الاستقرار الاستراتيجي” العالمي.
بموجب بنود المعاهدة، التزم الطرفان بسقف صارم للرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة لا يتجاوز 1550 رأساً لكل منهما، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 30% مقارنة بالحدود التي كانت مفروضة في عام 2002. كما حددت المعاهدة العدد الأقصى للقاذفات الثقيلة ومنصات الإطلاق بـ 800 وحدة، ورغم أن هذه الأرقام لا تزال كافية لتدمير الكوكب عدة مرات، إلا أن وجودها كان يمثل صمام أمان يمنع الانفلات العسكري.
تداعيات غياب الرقابة النووية
يحمل انتهاء العمل بالمعاهدة تداعيات خطيرة تتجاوز العلاقات الثنائية بين موسكو وواشنطن لتشمل الأمن والسلم الدوليين. فغياب آليات التحقق وتبادل البيانات يعني انعدام الشفافية، مما يزيد من خطر “سوء التقدير” العسكري. يرى الخبراء أن هذا الفراغ قد يدفع دولاً أخرى نووية أو تسعى لامتلاك السلاح النووي إلى تسريع برامجها، مما يهدد منظومة منع الانتشار النووي برمتها.
وكانت روسيا قد أعلنت في فبراير 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة دون الانسحاب منها رسمياً، معللة ذلك بالدعم الغربي لأوكرانيا، لكنها تعهدت حينها بمواصلة احترام الحدود القصوى للرؤوس النووية. كما اتهمت موسكو واشنطن بعرقلة عمليات التفتيش المتبادلة التي تعد جوهر الالتزام بالمعاهدة.
فرص ضائعة ومستقبل غامض
في محاولة لتدارك الموقف، كشف الكرملين عن مبادرة طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبتمبر 2025 لتمديد المعاهدة لمدة عام واحد. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علق حينها بشكل عابر واصفاً الفكرة بأنها “تبدو جيدة”، إلا أن الولايات المتحدة لم تقدم أي رد رسمي أو خطوات عملية لتفعيل هذا التمديد.
واختتم بيسكوف تصريحاته بالتأكيد على أن “المبادرة الروسية لا تزال مطروحة”، لكن الصمت الأمريكي المستمر حتى اللحظات الأخيرة يضع العالم أمام سيناريو المجهول، حيث يغيب الرادع القانوني الذي نظم العلاقة النووية بين القطبين لأكثر من عقد من الزمان.



