
رصد كوكب عطارد في أقصى استطالة فجر السبت | فلكية جدة
فرصة ذهبية لعشاق الفلك لرصد كوكب عطارد
كشفت الجمعية الفلكية بجدة عن حدث فلكي مميز يترقبه هواة الفلك والمراقبون للسماء، حيث سيصل كوكب عطارد إلى أقصى استطالة له في جهة الغرب (الاستطالة الصباحية) فجر يوم السبت الموافق 4 أبريل 2026. وتعتبر هذه الظاهرة فرصة ذهبية ونادرة لرصد الكوكب الأصغر في المجموعة الشمسية، حيث سيبتعد زاوياً عن الشمس بمسافة تبلغ نحو 28 درجة، مما يتيح رؤيته بوضوح فوق الأفق الشرقي قبل شروق الشمس مباشرة.
تفاصيل المراقبة وأفضل الأوقات للرصد
أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبوزاهرة، أن كوكب عطارد سيظهر في هذا التوقيت كنقطة ضوئية لامعة نسبياً في السماء. ويمكن للمراقبين مشاهدته بالعين المجردة بكل سهولة شريطة أن تكون السماء صافية وخالية من السحب. وأشار إلى أن استخدام المنظار الثنائي (الدربيل) سيسهم بشكل كبير في تحسين جودة الرؤية، خاصة في المناطق التي تعاني من التلوث الضوئي أو وجود الغبار العالق بالقرب من الأفق. وسيبلغ الكوكب أقصى ارتفاع له بحوالي 17 درجة فوق الأفق قبيل شروق الشمس، قبل أن يتلاشى تدريجياً مع تزايد سطوع ضوء النهار.
السياق العلمي: لماذا يصعب رصد عطارد عادة؟
علمياً، يُعد عطارد أقرب الكواكب إلى الشمس، ويدور في مدار داخلي يقع بين الأرض والشمس. هذا الموقع الاستراتيجي يجعله دائماً قريباً من وهج الشمس في سماء الأرض، مما يصعب من عملية رصده في الأيام العادية. ونظراً لأن مداره بيضاوي الشكل بشكل ملحوظ، فإن زاوية استطالته العظمى (أقصى مسافة زاوية بينه وبين الشمس كما يُرى من الأرض) تتراوح عادة بين 18 و28 درجة. هذا التفاوت يجعل بعض فترات الاستطالة، وتحديداً خلال فصل الربيع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، أكثر ملاءمة للرصد البصري مقارنة بأوقات أخرى من العام.
الأهمية التاريخية لحركة عطارد في الفيزياء الحديثة
من الناحية التاريخية، لعبت القياسات الدقيقة لحركة كوكب عطارد دوراً محورياً في تغيير مسار الفيزياء الحديثة. فقد لاحظ علماء الفلك في القرن التاسع عشر انحرافات طفيفة في مدار عطارد (ما يُعرف بمبادرة الحضيض) لم تستطع قوانين الجاذبية لإسحاق نيوتن تفسيرها بشكل كامل. وظل هذا اللغز قائماً حتى جاء العالم ألبرت أينشتاين بنظرية النسبية العامة في أوائل القرن العشرين، والتي قدمت التفسير الدقيق لتأثير جاذبية الشمس الهائلة على انحناء الزمكان حول عطارد، مما جعل رصد هذا الكوكب حجر الزاوية في إثبات واحدة من أهم النظريات العلمية في التاريخ.
تأثير الظاهرة محلياً وإقليمياً والمهام الفضائية
على المستوى المحلي والإقليمي، تتمتع سماء المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية بشكل عام بصفاء استثنائي في العديد من المناطق الصحراوية والجبلية، مما يجعلها بيئة مثالية لرصد مثل هذه الظواهر الفلكية. وتلعب الجمعيات الفلكية دوراً هاماً في استغلال هذه الأحداث لنشر الوعي العلمي وتثقيف المجتمع. ورغم أن الرصد الأرضي يقتصر على متابعة موقع عطارد ولمعانه وأطواره التي تشبه أطوار القمر، إلا أن وكالات الفضاء العالمية أطلقت مهام متخصصة مثل “مارينر 10” و”مسنجر”، ومؤخراً مهمة “بيبي كولومبو” المشتركة بين وكالتي الفضاء الأوروبية واليابانية، لجمع بيانات تفصيلية عن سطح الكوكب وغلافه الرقيق. وتؤكد هذه الظاهرة الفلكية على أهمية استمرار المراقبة الأرضية التي تتكامل مع البيانات الفضائية لتحسين النماذج المدارية وفهم بيئة نظامنا الشمسي بشكل أعمق.



