أسعار النفط واقتصاد الحرب: توقعات بـ 90 دولاراً بعد توترات الخليج

دخلت أسواق النفط العالمية منعطفاً حاسماً وجديداً في آليات التسعير، متأثرة بشكل مباشر بالضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع في منطقة الخليج. هذا التحول الجذري نقل بوصلة الطاقة العالمية من الحسابات التقليدية المعتمدة على العرض والطلب، إلى معادلات أكثر تعقيداً ترتبط بالأمن الجيوسياسي واستقرار سلاسل الإمداد في واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية.
عودة «علاوة الحرب» إلى الأسواق
أعاد التوتر العسكري المتصاعد النفط إلى واجهته التقليدية كمؤشر رئيسي لقياس مستويات المخاطر في الشرق الأوسط. وقبل هذا التصعيد، كانت تداولات خام برنت تتحرك في نطاق مستقر نسبياً قرب مستوى 72 دولاراً للبرميل. إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة أجبرت المستثمرين وصناديق التحوط على إعادة تقييم المشهد، مضيفين ما يعرف بـ «علاوة الحرب»؛ وهي زيادة سعرية تحوطية ترتبط بمخاوف تعطل الإنتاج أو تهديد طرق الشحن البحري.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
لفهم عمق الأزمة، يجب النظر إلى السياق الجغرافي والاقتصادي للمنطقة؛ حيث يعتبر الخليج العربي شريان الحياة للطاقة العالمية. يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما يقارب 20% من إجمالي استهلاك العالم من النفط السائل، مما يجعل أي تهديد أمني في هذه المنطقة بمثابة إنذار خطر للاقتصاد العالمي بأسره. ويرى محللو أسواق الطاقة أن السوق دخلت مرحلة حساسية مفرطة، حيث أصبح أمن الممرات البحرية هو المتحكم الأول في المؤشرات، متجاوزاً بيانات المخزونات التجارية أو معدلات النمو الاقتصادي في الدول الكبرى.
سيناريوهات الأسعار: من 80 إلى 100 دولار
تشير تقديرات خبراء الطاقة والمؤسسات المالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:
- السيناريو الأساسي: استقرار النفط عند مستوى 80 دولاراً للبرميل في المدى القريب، مع استمرار التوترات السياسية دون انقطاع فعلي للإمدادات.
- سيناريو التصعيد المتوسط: في حال اتساع رقعة العمليات العسكرية وارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات، قد تقفز الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل.
- السيناريو الأسوأ: في حال تعرض الملاحة في مضيق هرمز لأي اضطراب مباشر أو إغلاق جزئي، فإن الأسواق قد تشهد موجة صعود حادة تكسر حاجز الـ 100 دولار للبرميل نتيجة «صدمة العرض» العالمية.
رأي الخبراء: الجغرافيا السياسية تقود السوق
وفي تصريحات خاصة لـ «عكاظ»، أوضح المستشار الاقتصادي السعودي عيد العيد أن سوق النفط قد دخل فعلياً مرحلة «اقتصاد الحرب». وأكد أن الجغرافيا السياسية باتت المحرك الأول للأسعار، متوقعاً انتقال الخام سريعاً إلى مستويات الثمانينات، مع بقاء علاوة المخاطر مرتفعة خلال الفترة القادمة. وأضاف العيد أن أي تهديد مستمر لممرات الطاقة سيعزز الاتجاه الصاعد ويمنح الأسعار زخماً إضافياً يتجاوز التوقعات التقليدية.
تأثيرات عالمية محتملة
لا تتوقف تداعيات هذا الارتفاع عند حدود أسواق الطاقة، بل تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار النفط يعقد مهمة البنوك المركزية العالمية في مكافحة التضخم، حيث تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات والنقل، مما قد يؤخر قرارات خفض الفائدة المتوقعة ويزيد من الضغوط على النمو الاقتصادي العالمي.
واختتم العيد حديثه بالتأكيد على أن النفط عاد ليكون مرآة مباشرة للتوازنات العسكرية في المنطقة؛ فكل تصعيد ميداني يرفع الأسعار فوراً، وكل تهدئة تعيد السوق إلى استقرار مؤقت، لتبقى تطورات الخليج هي العامل الحاسم في رسم مستقبل الطاقة والاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.



