العالم العربي

عمان والملف النووي: تأثير الحرب على المفاوضات

ألقى الصراع الدائر في المنطقة بظلاله القاتمة على الجهود الدبلوماسية الرامية لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، حيث أكدت المؤشرات الأخيرة أن الدور المحوري الذي تلعبه سلطنة عمان كوسيط موثوق قد واجه تحديات جمة نتيجة الحرب المستمرة. وتعتبر مسقط، التي طالما كانت الجسر الدبلوماسي بين طهران والعواصم الغربية، أن الأجواء المشحونة عسكرياً قد جمدت فعلياً أي تقدم ملموس في هذا الملف الشائك.

تاريخ الوساطة العمانية: دبلوماسية الحياد الإيجابي

لفهم عمق التأثير الحالي، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للدور العماني. لطالما انتهجت سلطنة عمان سياسة "الحياد الإيجابي"، مما جعلها القناة الخلفية الأكثر فاعلية بين الولايات المتحدة وإيران، حتى في أحلك فترات القطيعة الدبلوماسية. لقد استضافت مسقط المحادثات السرية التي مهدت الطريق للاتفاق النووي التاريخي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ولعبت دوراً حاسماً في تبادل السجناء وتقريب وجهات النظر.

هذا الإرث الدبلوماسي العريق جعل من عمان المحطة الأولى لأي رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران، إلا أن الديناميكيات الحالية فرضت واقعاً جديداً يتجاوز قدرة القنوات الدبلوماسية التقليدية على الاحتواء السريع.

تأثير الحرب على أولويات التفاوض

أدت الحرب الحالية في غزة وتداعياتها الإقليمية إلى تغيير جذري في سلم الأولويات لدى الأطراف المعنية. فبدلاً من التركيز على تفاصيل التخصيب النووي ورفع العقوبات، تحول الاهتمام الدولي والإقليمي نحو منع توسع رقعة الصراع وتجنب حرب إقليمية شاملة. هذا التحول في التركيز جعل من الحديث عن "اتفاق نووي" أمراً ثانوياً -مؤقتاً- مقارنة بضرورة خفض التصعيد العسكري.

ويرى مراقبون أن انخراط أطراف محسوبة على محور المقاومة في المواجهات قد زاد من تعقيد الموقف الأمريكي، حيث أصبح من الصعب سياسياً على إدارة بايدن الانخراط في مفاوضات علنية أو حتى سرية مثمرة مع طهران في ظل استمرار الهجمات على المصالح الأمريكية أو حلفائها في المنطقة.

التداعيات المستقبلية وأهمية استمرار القنوات المفتوحة

على الرغم من الجمود الحالي الذي فرضته الحرب، تظل أهمية الدور العماني قائمة بل وتزداد حاجة. فغياب الأفق السياسي وانهيار الثقة المتبقية بين الغرب وإيران يجعل من وجود وسيط نزيه ضرورة قصوى لمنع الانزلاق نحو مواجهة غير محسوبة. إن تقويض المفاوضات حالياً لا يعني نهايتها، بل يعني دخولها في مرحلة "إدارة الأزمة" بدلاً من "حل الأزمة".

ختاماً، تشير المعطيات إلى أن استئناف المفاوضات النووية بجدية بات مرهوناً بوقف إطلاق النار وهدوء الجبهات الإقليمية، حيث لا يمكن فصل المسار النووي عن الواقع الجيوسياسي المتفجر في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى