عام على عودة ترامب: حصاد ولاية ثانية مثيرة للجدل

مع اقتراب يوم 20 يناير، يكمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاماً كاملاً في سدة الحكم ضمن ولايته الثانية، وهو تاريخ يحمل دلالات عميقة كونه يوافق ذكرى تنصيبه الرسمي. لم يكن هذا العام مجرد فترة زمنية عابرة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة، بل شكل محطة مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الدستورية.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، شهدت واشنطن فورة من القرارات التنفيذية التي تجاوزت الأعراف التقليدية، حيث يرى مراقبون أن شعار “أمريكا أولاً” الذي رفعه ترامب سابقاً قد تحول عملياً إلى “أنا وأمريكا أولاً”، مما يعكس مركزية القرار الرئاسي وتهميش الأدوار التقليدية للمستشارين والهيئات الرقابية.
سياق تاريخي: عودة غير مسبوقة وتحديات دستورية
تعتبر عودة ترامب إلى السلطة حدثاً نادراً في التاريخ الأمريكي، حيث لم ينجح سوى رئيس واحد قبله (غروفر كليفلاند) في الفوز بولايتين غير متتاليتين. هذا السياق التاريخي منح ترامب شعوراً بالتفويض الشعبي المطلق، مما دفعه لتبني سياسات أكثر جرأة وتحدياً للمؤسسة التقليدية في واشنطن.
ويرى الخبراء الدستوريون أن العام الأول من الولاية الثانية اتسم باختبار حدود الصلاحيات الرئاسية، خاصة فيما يتعلق بالتعيينات القضائية والقرارات الاقتصادية الحمائية، مثل الرسوم الجمركية المشددة التي طالت الخصوم والحلفاء على حد سواء، مما أثار مخاوف من حروب تجارية عالمية طويلة الأمد.
الذكرى الـ 250 للاستقلال: مفارقة الانقسام
تكتسب هذه المرحلة حساسية خاصة كونها تسبق احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لإعلان الاستقلال عن التاج البريطاني. وفي مفارقة لافتة، يواجه ترامب اتهامات من خصومه الديمقراطيين وبعض المنتقدين بتبني “نزعة ملكية” في الحكم، تتناقض مع المبادئ الجمهورية التي قامت عليها الدولة.
وقد علق نوا روزنبلوم، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، مشيراً إلى أن الهيكلية الحكومية الحالية تبدو وكأنها “امتداد لشخصية الرئيس”، حيث تتداخل المصالح الخاصة مع القرارات الدبلوماسية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً بشأن الشفافية ومكافحة الفساد في أروقة الإدارة الحالية.
طموحات إمبريالية وتغييرات في البيت الأبيض
لم تقتصر تغييرات ترامب على السياسة، بل طالت المظهر العام لمقر الحكم، حيث تم إضفاء طابع ذهبي وديكورات باذخة على البيت الأبيض، في خطوة رمزية تعكس رؤيته للسلطة. وتتجاوز طموحات الرئيس الحدود الجغرافية التقليدية، مع تجدد الحديث عن رغبات توسعية تشمل مناطق مثل غرينلاند، وحتى طموحات فضائية تتعلق بكوكب المريخ، بالتوازي مع سعيه الحثيث للحصول على جائزة نوبل للسلام كاعتراف دولي بشرعيته.
انتخابات التجديد النصفي: الاختبار الصعب
سياسياً، يتجه المشهد نحو صدام محتوم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (الانتخابات النصفية). تاريخياً، غالباً ما يخسر حزب الرئيس مقاعد في هذه الانتخابات، ويبدو أن الديمقراطيين يستعدون لاستغلال حالة الاستقطاب الحاد، وغلاء المعيشة، والجدل حول سياسات الهجرة لاستعادة السيطرة التشريعية.
ويدرك ترامب خطورة هذا الموقف، حيث حذر حلفاءه المحافظين من أن خسارة الكونغرس قد تفتح الباب أمام إجراءات العزل. ولذلك، يعتمد الرئيس استراتيجية “اقتصاد الغضب” وإثارة القواعد الانتخابية لضمان الولاء، مع التشكيك المسبق في نزاهة أي عملية انتخابية قد لا تصب في صالحه، مستعيداً سردية التزوير التي رافقت انتخابات 2020.
في المحصلة، يضع العام الأول من ولاية ترامب الثانية الولايات المتحدة أمام مفترق طرق، حيث ستحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت المؤسسات الأمريكية قادرة على استيعاب هذا النمط من الحكم، أم أن البلاد مقبلة على أزمة دستورية وسياسية أعمق.



