
أزمة الوقود في الفلبين: العودة لوقود أرخص وأكثر تلوثاً
مقدمة: أزمة الطاقة تجبر الفلبين على خيارات صعبة
في خطوة استثنائية تعكس حجم الضغوط الاقتصادية العالمية، سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً ولكنه أكثر تلويثاً للبيئة. يأتي هذا القرار الاستراتيجي لضمان استمرار الإمدادات الحيوية في وقت تبحث فيه مانيلا عن سبل فعالة للتعامل مع التداعيات السلبية لأزمة الشرق الأوسط والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي أثرت بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث
تعتمد الفلبين بشكل كبير على استيراد النفط لتلبية احتياجاتها المحلية، حيث يأتي الجزء الأكبر من هذه الواردات من منطقة الشرق الأوسط. تاريخياً، كانت الفلبين قد اتخذت خطوات مهمة نحو حماية البيئة من خلال الانتقال إلى معايير انبعاثات أكثر صرامة، حيث ألزمت البلاد بالتحول من معيار “يورو-2” إلى معيار “يورو-4” الأنظف في عام 2016. ومع ذلك، فإن الارتفاع الجنوني في أسعار النفط العالمية أجبر الحكومة على التراجع التكتيكي. وأوضحت وزارة الطاقة الفلبينية أن المركبات من إنتاج عام 2015 وما قبله، والحافلات التقليدية، ومحطات توليد الكهرباء، والمولدات، وقطاعي الملاحة البحرية والشحن، هي فقط المسموح لها باستخدام المنتجات البترولية المتوافقة مع معيار “يورو-2”.
مرونة محدودة وإجراءات حكومية صارمة
ذكرت وزارة الطاقة في بيان رسمي أن هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى المساعدة في الحفاظ على إمدادات وقود مستمرة وكافية ومتاحة للجميع، مع السماح بمرونة محدودة للقطاعات التي قد تتضرر بشدة من نقص الوقود. ولضمان عدم حدوث فوضى في الأسواق، وجهت الوزارة شركات النفط التي ستقدم وقوداً متوافقاً مع معيار “يورو-2” بضرورة الحفاظ على الفصل التام بينه وبين الوقود المتوافق مع معيار “يورو-4” في جميع أنظمة التخزين والنقل والبيع بالتجزئة.
التأثير المحلي: أزمة النقل العام واحتجاجات السائقين
على الصعيد المحلي، كان التأثير الاقتصادي لارتفاع أسعار الوقود قاسياً. ففي الأسبوع الماضي، نزل آلاف من سائقي الحافلات التقليدية (المعروفة باسم الجيبني، وهي وسيلة النقل العام الأكثر شعبية في الفلبين) إلى الشوارع في أنحاء البلاد للاحتجاج. جاءت هذه التظاهرات رداً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، متأثرة بارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب التوترات المستمرة في الشرق الأوسط. ولمواجهة هذا الغضب الشعبي، اتخذت الفلبين خطوات مشابهة لبعض دول جنوب شرق آسيا، مثل تقصير أسبوع العمل وتطبيق دعم مباشر على أسعار الوقود لمساعدة المواطنين على مواجهة ارتفاع التكاليف. كما منح الكونغرس الفلبيني الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود عند الضرورة.
التأثير الإقليمي والدولي: تحالفات جديدة للبحث عن الطاقة
إقليمياً ودولياً، دفع هذا الحدث الفلبين إلى إعادة رسم خريطة تحالفاتها في مجال الطاقة. وفي هذا السياق، صرح الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن في رسالة بالفيديو أن الحكومة تجري محادثات مكثفة مع عدة دول آسيوية، تشمل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي، بشأن ترتيبات محتملة لتوريد الوقود بأسعار تفضيلية.
وفي تحول دولي لافت يعكس براغماتية سياسية واقتصادية، من المقرر أن تستورد الفلبين نفطاً روسياً هذا الشهر للمرة الأولى منذ خمس سنوات. يأتي هذا القرار في ظل العقوبات الغربية المفروضة على موسكو والتي جعلت النفط الروسي يباع بأسعار مخفضة، مما يجعله خياراً جذاباً للدول النامية التي تكافح لتأمين احتياجاتها من الطاقة بأقل تكلفة ممكنة، حتى وإن كان ذلك على حساب الالتزامات البيئية طويلة الأمد.



