مظلات المسجد النبوي: هندسة معمارية تخدم ضيوف الرحمن

تُعد ساحات المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة شاهداً حياً على التناغم الفريد بين الروحانية العميقة والتطور الهندسي المذهل، حيث تقف مظلات المسجد النبوي كأحد أبرز المعالم المعمارية الحديثة التي تخدم قاصدي الحرمين الشريفين. هذا المشروع العملاق ليس مجرد وسيلة للتظليل، بل هو منظومة تقنية متكاملة تهدف إلى توفير أقصى درجات الراحة والأمان للمصلين والزوار، خاصة في ظل الأجواء المناخية الحارة التي تشهدها المنطقة.
إعجاز هندسي بالأرقام
يضم المشروع الضخم 250 مظلة متحركة، صُممت لتغطي ساحات المسجد النبوي التي تمتد على مساحات واسعة. تتميز كل مظلة بأبعاد هندسية دقيقة، حيث يبلغ طول ضلع القاعدة المربعة لكل مظلة 25.5 متراً، وترتفع عن الأرض بنحو 15 متراً، بينما يصل وزن المظلة الواحدة إلى قرابة 40 طناً. تعمل هذه المظلات بنظام آلي دقيق يتيح فتحها وإغلاقها بتناغم تام، حيث تفتح مع بزوغ الفجر لتشكل غطاءً يحمي المصلين من أشعة الشمس المباشرة، وتغلق عند الغروب للسماح للهواء الطبيعي بالدوران، في مشهد يشبه تفتح الأزهار.
تقنيات متطورة ومواد فائقة الجودة
لم يكن اختيار المواد المستخدمة في تصنيع هذه المظلات عشوائياً، بل خضعت لأعلى معايير الجودة العالمية. فقد صُنع نسيج المظلات من مادة (PTFE) وهي ألياف زجاجية مطلية بالتيفلون، تتميز بمقاومتها العالية للحرائق، وقدرتها الفائقة على تحمل الأشعة فوق البنفسجية، مما يضمن عمراً افتراضياً طويلاً وثباتاً في الأداء. كما زُينت المظلات بزخارف هندسية إسلامية بديعة، وطُعمت بعناصر من النحاس المطلي بالذهب، مما يضفي عليها طابعاً جمالياً ينسجم مع قدسية المكان.
نظام تبريد وإنارة ذكي
لتعزيز الراحة الحرارية، تم تزويد أعمدة المظلات بـ 436 مروحة رذاذ متطورة تعمل على تلطيف الأجواء وخفض درجات الحرارة بشكل ملحوظ في الساحات الخارجية، مما يخفف من وطأة الحر على المصلين أثناء أداء الصلوات. وإلى جانب التبريد، يحتوي المشروع على أكثر من 1000 وحدة إنارة مثبتة بعناية، تساهم في إضفاء أجواء روحانية خاشعة خلال فترات الليل، وتوفر إضاءة كافية تضمن سلامة وسهولة حركة الحشود.
الطاقة الاستيعابية والأثر العام
تتجلى أهمية هذا المشروع في قدرته الاستيعابية الهائلة، حيث يمكن للمظلة الواحدة أن تظلل أكثر من 900 مصلٍ، وبذلك توفر المظلات مجتمعة مساحة ظلال تغطي ما يزيد على 228 ألف مصلٍ في وقت واحد. يعكس هذا الإنجاز حرص المملكة العربية السعودية المستمر على تطوير الحرمين الشريفين وتسخير كافة الإمكانات التقنية والبشرية لخدمة ضيوف الرحمن، مما يجعل تجربة الزيارة والعبادة أكثر يسراً وطمأنينة، ويرسخ مكانة المدينة المنورة كوجهة إسلامية حضارية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.



