ألغام الحوثيين في الحديدة: مأساة إنسانية تهدد المدنيين

تعيش محافظة الحديدة اليمنية مأساة إنسانية صامتة ومستمرة، حيث تحولت مساحات واسعة من أراضيها إلى حقول موت محقق بسبب الألغام التي زرعتها جماعة الحوثي، والتي باتت تحاصر حياة المدنيين وتقيد تحركاتهم اليومية. لم يعد الخطر يقتصر على مناطق الاشتباك العسكري فحسب، بل امتد ليشمل المزارع، والطرقات العامة، ومناطق الرعي، وحتى مداخل القرى والمنازل، مما جعل من ممارسة الحياة الطبيعية ضرباً من المستحيل للسكان المحليين.
السياق العام والخلفية التاريخية للصراع في الحديدة
تكتسب محافظة الحديدة أهمية استراتيجية قصوى كونها تضم الميناء الرئيسي الذي يعد شريان الحياة لليمن، حيث تمر عبره غالبية المساعدات الإنسانية والواردات التجارية والغذائية. ومنذ اندلاع الصراع في اليمن، كانت الحديدة بؤرة ساخنة للمواجهات. وفي خضم هذا الصراع، لجأت جماعة الحوثي إلى زراعة الألغام والعبوات الناسفة بكثافة غير مسبوقة كوسيلة عسكرية لعرقلة تقدم القوات المناوئة لها، إلا أن الضحية الأكبر لهذه الاستراتيجية كانوا ولا يزالون المدنيين العزل. وتشير التقارير الحقوقية والدولية إلى أن كثافة الألغام في الساحل الغربي لليمن تعد من بين الأعلى عالمياً، مما يشكل تحدياً هائلاً لجهود السلام وإعادة الإعمار.
التأثير الإنساني والاقتصادي على السكان
تسببت هذه الألغام في سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال، فضلاً عن تسببها في إعاقات دائمة وبتر للأطراف للكثيرين، مما يضاعف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الأسر التي تعاني أصلاً من الفقر المدقع. وإلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، أدت الألغام إلى شلل اقتصادي في العديد من مديريات الحديدة؛ فالمزارعون هجروا أراضيهم خوفاً من الانفجارات، والصيادون يواجهون صعوبات في الوصول إلى السواحل، مما ضرب مصادر الرزق الأساسية للسكان في مقتل.
الأبعاد الدولية وانتهاك القوانين
على الصعيد الدولي، يُعد الزرع العشوائي للألغام، وخاصة الألغام الفردية والموهوة التي تتخذ أشكالاً خادعة كالصخور وجذوع الأشجار، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية أوتاوا لحظر الألغام. وقد نددت العديد من المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بهذه الممارسات التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية وتعرقل عودة النازحين إلى ديارهم. إن استمرار وجود هذه الألغام لا يهدد الحاضر فحسب، بل يزرع الموت لمستقبل اليمن لعقود قادمة، حيث تتطلب عملية تطهير هذه المناطق جهوداً دولية ضخمة وتمويلاً كبيراً وسنوات طويلة من العمل الدؤوب لضمان سلامة الأجيال القادمة.



