ارتفاع تكاليف الزواج: أزمة تواجه الشباب وحلول مقترحة

بات حلم الزواج وتكوين الأسرة هاجساً يؤرق الكثير من الشباب في ظل الارتفاع المتزايد في التكاليف، حيث تحولت هذه الخطوة الاجتماعية الهامة من مناسبة للفرح والسكينة إلى عبء مالي ثقيل يمتد أثره لسنوات. عندما يفكر الشاب في الإقدام على الزواج اليوم، فإنه يضع أمام عينيه قائمة طويلة من المتطلبات التي تترجم على أرض الواقع بآلاف الريالات، بدءاً من المهر وتجهيز المسكن، مروراً بتكلفة قاعات الزفاف والولائم، وصولاً إلى تفاصيل ليلة العمر وشهر العسل، وهي مظاهر باتت تُفرض كجزء أساسي من الزواج وليست مجرد تعبير اختياري عن الفرحة.
تحقيق ميداني يكشف عمق الأزمة
وفي إطار تسليط الضوء على هذه الظاهرة، خاض فريق عمل جريدة "اليوم"، المكون من المحررين حذيفة القرشي، ومحمد السليمان، ومحمد العويس، وأحمد المسري، ورائد السويلم، وعبدالعزيز العمري، وبرفقة عدسة المصور مرتضى بوخمسين، نقاشات موسعة مع مختلف الأطراف المعنية. هدف هذا التحرك الميداني إلى الوقوف على الأسباب الحقيقية خلف هذا الغلاء، والبحث عن مفاتيح عملية لحل الأزمة التي باتت تشكل حاجزاً أمام طموحات جيل كامل.
تحولات اجتماعية: من البساطة إلى المباهاة
تاريخياً، كانت مراسم الزواج في المجتمعات العربية تتسم بالبساطة والتكافل الاجتماعي، حيث كان التركيز ينصب على القيم المعنوية للارتباط وبناء الأسرة. ومع مرور الزمن، طرأت تغيرات جذرية على هذه المفاهيم، حيث تحولت الأعراس إلى ساحة للتنافس الاجتماعي والمباهاة. لم تعد التكاليف مقتصرة على الأساسيات، بل تضخمت لتشمل كماليات باهظة الثمن فرضتها ثقافة الاستهلاك و"البرستيج" الاجتماعي، مما جعل التمسك بالمظاهر يتفوق أحياناً على الجوهر الحقيقي للزواج.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
إن المغالاة في المهور وتكاليف الزفاف لا تؤثر فقط على الوضع المالي الآني للشاب، بل تمتد لتشكل ضغطاً اقتصادياً طويل الأمد. يلجأ الكثيرون إلى القروض البنكية والديون لتغطية نفقات ليلة واحدة، مما يجعلهم يبدؤون حياتهم الزوجية مكبلين بأعباء مالية قد تعكر صفو الاستقرار الأسري مبكراً. علاوة على ذلك، أدى هذا الغلاء إلى تأخر سن الزواج (العنوسة) لدى الجنسين، وهو ما ينعكس سلباً على التركيبة الديموغرافية والاجتماعية للمجتمع.
بين الفتاوى والواقع
وعلى الرغم من وجود العديد من الفتاوى الشرعية والدعوات المستمرة من العلماء والمصلحين الاجتماعيين التي تحث على تيسير الزواج وتقليل المهور، استناداً إلى التوجيهات النبوية التي تبارك الزواج الأيسر مؤونة، إلا أن ضغط العادات والتقاليد ونظرة المجتمع لا تزال تشكل تحدياً كبيراً أمام تطبيق هذه الدعوات. يتطلب الحل تكاتفاً مجتمعياً لتغيير القناعات السائدة، وتعزيز ثقافة أن قيمة الزواج تكمن في التوافق والمودة وليس في البذخ والإسراف.



