مؤتمر الرياض: رسم مسار مستقبل الجنوب اليمني والحل السياسي

تتجه الأنظار مجدداً نحو العاصمة السعودية الرياض، التي باتت تمثل الحاضنة السياسية والدبلوماسية الأبرز للملف اليمني، حيث تأتي التحركات الأخيرة لرسم مسار الجنوب اليمني كخطوة جوهرية في سياق البحث عن حل شامل للأزمة الممتدة منذ سنوات. إن هذا الحراك السياسي لا يأتي من فراغ، بل هو استكمال لجهود دبلوماسية مكثفة تهدف إلى توحيد الصفوف داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ومعالجة التباينات السياسية التي طرأت على المشهد في المحافظات المحررة.
السياق العام والخلفية التاريخية
لفهم أهمية هذه النقاشات في الرياض، يجب العودة إلى جذور “القضية الجنوبية” التي ظلت حاضرة بقوة في المشهد السياسي اليمني منذ عام 1994، وتصاعدت حدتها مع انطلاق الحراك الجنوبي في 2007. وقد شكل “اتفاق الرياض” الموقع في نوفمبر 2019 نقطة تحول مفصلية، حيث وضع إطاراً للشراكة السياسية والعسكرية بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي. وتأتي المشاورات الحالية كجزء من استحقاقات المرحلة الانتقالية التي تلت تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، والذي يضم ممثلين عن مختلف القوى الفاعلة، بما فيها القوى الجنوبية، بهدف دمج المؤسسات وتوحيد القرار السياسي والعسكري.
الأهمية الاستراتيجية وتوحيد الجبهة الداخلية
يكتسب رسم مسار الجنوب اليمني في هذا التوقيت أهمية بالغة على الصعيد المحلي. فالجنوب، وعاصمته المؤقتة عدن، يمثل الرئة التي تتنفس منها الشرعية اليمنية. لذا، فإن استقرار الأوضاع السياسية في الجنوب ينعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي والخدمي، وهو ما ينتظره المواطن اليمني الذي عانى من تدهور العملة وتردي الخدمات. إن التوافق في الرياض يعني تعزيز الاستقرار الأمني في المحافظات الجنوبية، وتهيئة الأرضية اللازمة لعودة مؤسسات الدولة للعمل بكفاءة، مما يقطع الطريق أمام أي محاولات لزعزعة الأمن الداخلي.
التأثير الإقليمي والدولي
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يُنظر إلى ترتيب البيت الداخلي الجنوبي كركيزة أساسية لنجاح جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي. تدرك القوى الدولية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أن وجود جبهة موحدة ومتماسكة في الجنوب هو الضمان الوحيد لإجبار الأطراف الأخرى على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية. كما أن تأمين الجنوب وممراته المائية، وتحديداً باب المندب وخليج عدن، يعد مصلحة دولية عليا لضمان سلامة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية. بالتالي، فإن مخرجات هذه التحركات في الرياض لن ترسم فقط مستقبل الجنوب، بل ستحدد ملامح التسوية السياسية النهائية وشكل الدولة اليمنية القادمة.



