اقتصاد

هل تنجح روسيا في إنشاء نظام مدفوعات مشفر في إفريقيا؟

مقدمة: مساعي روسية للالتفاف على العقوبات

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، كشفت تقارير حديثة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية عن تحركات استراتيجية تقودها روسيا لإنشاء نظام مدفوعات مالي بديل يعتمد بشكل أساسي على العملات المشفرة. تتركز هذه الجهود في القارة الإفريقية، وتأتي كخطوة استباقية ومحاولة جادة للالتفاف على حزمة العقوبات الغربية القاسية التي فُرضت على موسكو في أعقاب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أوائل عام 2022.

السياق التاريخي: البحث عن بدائل لنظام سويفت

منذ بداية الصراع في أوكرانيا، واجهت روسيا عزلة مالية غير مسبوقة بعد استبعاد كبرى بنوكها من نظام المراسلات المالية العالمي «سويفت» (SWIFT)، وتجميد أصول البنك المركزي الروسي في الخارج. هذا الواقع الجديد أجبر صانع القرار الروسي على البحث عن أدوات مالية بديلة تضمن استمرار تدفق الأموال وتسهيل التجارة الدولية بعيداً عن هيمنة الدولار الأمريكي والرقابة الغربية. وفي هذا السياق، برزت العملات الرقمية المشفرة كطوق نجاة محتمل يوفر قنوات مالية لامركزية وعابرة للحدود.

شبكة «A7» وتوسيع النفوذ الروسي في إفريقيا

بحسب تقرير الصحيفة، تقود هذه المبادرة الطموحة شبكة مالية تُعرف باسم «A7». وتهدف هذه الشبكة إلى توفير بنية تحتية متكاملة لمدفوعات عابرة للحدود تعتمد على الأصول المشفرة والأدوات المالية البديلة. وقد بدأت الشبكة بالفعل في توسيع نطاق عملياتها في عدة دول إفريقية رئيسية، من أبرزها نيجيريا وزيمبابوي، مع وجود خطط استراتيجية للتوسع في دول أخرى مثل توغو.

وعلى الرغم من أن النشاط الفعلي لهذه الشبكة لا يزال محدوداً في الوقت الراهن، إلا أن هذه الخطوة تحمل دلالات عميقة. فهي تأتي ضمن استراتيجية جيوسياسية أوسع تتبناها موسكو لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في القارة السمراء، وذلك بالتوازي مع إبرام اتفاقيات تجارية وعسكرية وشراكات استراتيجية مع عدة حكومات إفريقية. وتعتبر إفريقيا بيئة خصبة لهذا النوع من الأنظمة، خاصة مع تصدر دول مثل نيجيريا للمؤشرات العالمية في معدلات تبني العملات المشفرة.

التأثير المتوقع على النظام المالي العالمي

على الصعيدين الإقليمي والدولي، يمثل نجاح روسيا في إرساء هذا النظام تحدياً مباشراً لفعالية سلاح العقوبات الاقتصادية الغربية. كما أنه يتماشى مع التوجهات الأوسع لدول مجموعة «بريكس» (BRICS) التي تسعى جاهدة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المبادلات التجارية البينية، مما قد يؤسس لنظام مالي عالمي متعدد الأقطاب في المستقبل القريب.

سوق العملات المشفرة: طلب فعلي وسط التوترات الجيوسياسية

في سياق متصل بالأصول الرقمية، أظهرت أسواق العملات المشفرة مرونة ملحوظة. فعلى صعيد التداولات، سجلت عملة «بيتكوين» (Bitcoin) ارتفاعاً ملحوظاً خلال التداولات الآسيوية، مدعومة بطلب مؤسسي مستقر رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، لا سيما بعد التصريحات والتهديدات المتبادلة التي شملت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وإيران.

وقد ارتفعت عملة البيتكوين، وهي العملة المشفرة الأكبر والأشهر عالمياً، بنسبة تقارب 2.8% لتقترب من حاجز 69 ألف دولار أمريكي. وفي الوقت ذاته، سجلت عملة «إيثريوم» (Ethereum) مكاسب تجاوزت حاجز 3%.

وما يعزز من أهمية هذه الارتفاعات هو ما أظهرته البيانات المالية من استمرار تدفقات رؤوس الأموال نحو صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) الخاصة بالبيتكوين. هذا المؤشر يعكس بوضوح أن الارتفاعات الحالية مدعومة بطلب استثماري فعلي ومؤسسي، وليس مجرد مضاربات فردية عالية المخاطر، مما يثبت نضج السوق وتزايد الاعتماد على الأصول المشفرة كملاذ آمن وأداة مالية معتمدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى