روسيا تنهي التزامها بمعاهدة نيو ستارت النووية: تداعيات عالمية

في تطور لافت يعكس عمق الفجوة بين القوى العظمى، أعلنت روسيا رسمياً أنها لم تعد “ملزمة” ببنود معاهدة “نيو ستارت” (New START) النووية المبرمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كان من المقرر أن تنتهي صلاحيتها في الخامس من فبراير. ويأتي هذا الإعلان ليزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي، واضعاً حداً لآخر ركائز السيطرة على التسلح النووي بين موسكو وواشنطن.
تفاصيل الموقف الروسي
أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيان رسمي قاطع أن موسكو تفترض أن جميع أطراف معاهدة “نيو ستارت” لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار هذه الاتفاقية. ويشير هذا التصريح إلى انهيار فعلي لآليات التفتيش وتبادل البيانات التي كانت تشكل صمام أمان لمنع سوء الفهم أو الانزلاق نحو مواجهة نووية غير محسوبة.
خلفية تاريخية: ما هي معاهدة نيو ستارت؟
تعتبر معاهدة “نيو ستارت”، التي وُقعت في العاصمة التشيكية براغ عام 2010 بين الرئيسين آنذاك باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، حجر الزاوية في الأمن الاستراتيجي لفترة ما بعد الحرب الباردة. دخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 2011، ونصت على:
- تحديد سقف للرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأساً لكل دولة.
- تحديد عدد قاذفات القنابل والصواريخ الباليستية العابرة للقارات عند 700 وحدة منشورة.
- إجراء عمليات تفتيش متبادلة للمواقع النووية لضمان الالتزام بالبنود.
كانت هذه المعاهدة هي الامتداد الطبيعي لاتفاقيات “ستارت 1” و”سورت”، ومثلت الالتزام القانوني الوحيد المتبقي الذي يقيّد الترسانات النووية لأكبر قوتين نوويتين في العالم، اللتين تمتلكان معاً نحو 90% من الرؤوس النووية عالمياً.
السياق الجيوسياسي وتصاعد التوتر
لا يمكن فصل هذا القرار عن السياق العام للعلاقات المتدهورة بين روسيا والغرب، خاصة في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا. لقد شهدت الفترة الماضية تبادلاً للاتهامات بين واشنطن وموسكو حول انتهاك بنود المعاهدة، حيث اتهمت الولايات المتحدة روسيا برفض استئناف عمليات التفتيش الميدانية التي توقفت خلال جائحة كورونا، بينما ربطت روسيا عودتها للالتزام الكامل بتغيير واشنطن لسياساتها العدائية تجاه موسكو.
التداعيات المتوقعة على الأمن الدولي
يحمل إنهاء الالتزام بمعاهدة “نيو ستارت” مخاطر جسيمة على المستويين الإقليمي والدولي:
- غياب الشفافية: يعني توقف تبادل البيانات عدم قدرة أي طرف على التحقق من ترسانة الطرف الآخر، مما يزيد من حالة الشك وسوء التقدير العسكري.
- سباق تسلح جديد: بدون قيود قانونية، قد تتجه الدولتان إلى تحديث وتوسيع ترساناتهما النووية وتطوير أنظمة إطلاق جديدة، مما قد يجر قوى أخرى مثل الصين للانخراط في هذا السباق.
- انهيار النظام العالمي للحد من التسلح: يمثل هذا الحدث ضربة قاصمة لجهود منع الانتشار النووي، وقد يشجع دولاً أخرى تسعى لامتلاك السلاح النووي على المضي قدماً في برامجها في ظل غياب الرادع الدولي.
بالمحصلة، يضع هذا القرار العالم أمام مرحلة جديدة تتسم بالغموض الاستراتيجي، حيث بات الأمن النووي العالمي يفتقر إلى الضوابط والمعاهدات التي حافظت على توازن الرعب لعقود طويلة.



