
ناقلة نفط روسية تتحدى العقوبات وتقترب من كوبا
مقدمة: تحدي العقوبات الأمريكية
في خطوة تعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية، يُرتقب وصول ناقلة نفط روسية مشمولة بالعقوبات الأمريكية إلى السواحل الكوبية. يأتي هذا التحرك في تحدٍ صريح للحصار الاقتصادي والتجاري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الجزيرة الكوبية منذ عقود. وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبرى في ظل معاناة هافانا من نقص حاد وغير مسبوق في إمدادات الطاقة، وفقاً لما أظهرته بيانات شركات الشحن البحري العالمية.
تفاصيل مسار ناقلة النفط الروسية
أفادت شركة “كبلر” المتخصصة في تحليلات البيانات البحرية، أن الناقلة الروسية التي تحمل اسم “أناتولي كولودكين”، والمحملة بنحو 730 ألف برميل من النفط الخام، قد رُصدت شمال هايتي وهي في طريقها للرسو في ميناء ماتانزاس الواقع غرب كوبا. الجدير بالذكر أن هذه الناقلة تم تحميلها بالنفط من ميناء بريمورسك الروسي في الثامن من مارس الماضي. وقد حظيت بمرافقة من سفينة تابعة للبحرية الروسية أثناء عبورها بحر المانش، قبل أن تنفصلا عند دخول الناقلة مياه المحيط الأطلسي، بحسب تقارير البحرية الملكية البريطانية.
السياق التاريخي وأزمة الطاقة الكوبية
تاريخياً، اعتمدت كوبا بشكل كبير على حلفائها لتأمين احتياجاتها من الطاقة، بدءاً من الدعم السوفيتي في القرن الماضي، وصولاً إلى فنزويلا التي كانت المورد الإقليمي الرئيسي. ومع تراجع الإمدادات الفنزويلية مؤخراً نتيجة الأزمات السياسية والعقوبات الأمريكية المشددة على كاراكاس، وجدت كوبا نفسها أمام أزمة طاقة خانقة. وتؤكد الحكومة الكوبية أنها لم تتلقَ أي شحنات نفطية منذ شهر يناير، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية لسكان البلاد البالغ عددهم حوالي 9.6 مليون نسمة.
وقد دفع هذا الوضع الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل إلى إعلان حزمة من الإجراءات الطارئة لترشيد استهلاك الوقود، شملت تقنيناً صارماً لتوزيع البنزين. ونتيجة لذلك، شهدت أسعار الوقود ارتفاعات قياسية، وتراجعت كفاءة خدمات النقل العام بشكل ملحوظ، بل واضطرت بعض شركات الطيران إلى تعليق رحلاتها المتجهة إلى هافانا.
الموقف الأمريكي والتداعيات المتوقعة
في ظل هذه التطورات، تبرز التساؤلات حول رد الفعل الأمريكي. كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد لوح سابقاً بفرض رسوم جمركية صارمة على أي دولة تصدر النفط إلى كوبا، متحدثاً عن إمكانية فرض سيطرة بحرية على الجزيرة. ومع ذلك، استبعد خورخي بينيون، الخبير في قطاع الطاقة الكوبي بجامعة تكساس في أوستن، أن تقدم واشنطن على اعتراض ناقلة نفط روسية في المياه الدولية. وأكد بينيون أنه بمجرد دخول السفينة إلى المياه الإقليمية الكوبية، سيصبح من شبه المستحيل على الإدارة الأمريكية إيقافها قانونياً أو عملياً.
معضلة التكرير والاحتياج الملح للديزل
لا تقتصر الأزمة على وصول النفط الخام فحسب، بل تمتد إلى القدرة على تكريره واستخدامه. يوضح الخبراء أن تكرير شحنة الناقلة “أناتولي كولودكين” سيستغرق ما بين 15 إلى 20 يوماً، يضاف إليها من 5 إلى 10 أيام لتوزيع المنتجات المكررة. وفي سياق متصل، أشارت تقارير إلى رصد سفينة أخرى ترفع علم هونغ كونغ تُدعى “سي هورس”، محملة بديزل روسي، كانت متجهة لكوبا لكنها توقفت في فنزويلا مؤخراً.
ويؤكد المسؤولون أن الحاجة الأكثر إلحاحاً في كوبا اليوم هي وقود الديزل. ومن المتوقع أن تُنتج الشحنة الروسية حوالي 250 ألف برميل من الديزل، وهي كمية تكفي لتغطية احتياجات البلاد لمدة تقارب 12.5 يوماً فقط. وهنا تبرز معضلة صعبة أمام صانع القرار الكوبي: هل يتم توجيه هذا الوقود الثمين لتشغيل مولدات الطاقة الاحتياطية لتعويض الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي (والتي سجلت سبع انقطاعات كبرى على مستوى البلاد منذ بداية 2024)، أم يتم تخصيصه لقطاع النقل والجرارات الزراعية لضمان استمرار النشاط الاقتصادي؟



