النهج السعودي في جنوب اليمن: استراتيجية الاحتواء والاستقرار

لعبت المملكة العربية السعودية دوراً محورياً وحاسماً في احتواء التطورات المتسارعة التي شهدتها محافظات جنوب اليمن خلال السنوات الماضية، متبعةً في ذلك نهجاً شمولياً يجمع بين الدبلوماسية السياسية، والحلول الأمنية، والدعم الاقتصادي والتنموي. لم تكن الاستجابة السعودية مجرد رد فعل لحظي، بل جاءت ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على تماسك الدولة اليمنية وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات الأكبر.
السياق العام والخلفية التاريخية: من التوتر إلى اتفاق الرياض
لفهم عمق الدور السعودي، يجب النظر إلى السياق الذي سبق التدخل الدبلوماسي المكثف. ففي أغسطس 2019، شهدت العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات جنوبية أخرى توترات عسكرية ومواجهات مسلحة بين القوات الحكومية والمجلس الانتقالي الجنوبي. كانت هذه الأحداث تهدد بنسف الشرعية اليمنية من الداخل وتشتيت الجهود الرامية لاستعادة الدولة. هنا برزت الحكمة السعودية من خلال الدعوة الفورية للحوار، والتي توجت بتوقيع “اتفاق الرياض” في 5 نوفمبر 2019. لم يكن هذا الاتفاق مجرد وثيقة لوقف إطلاق النار، بل كان خارطة طريق سياسية وعسكرية وأمنية تهدف إلى دمج التشكيلات العسكرية وتشكيل حكومة كفاءات سياسية مناصفة بين الشمال والجنوب.
ركائز النهج السعودي الشمولي
تميز التعامل السعودي مع ملف جنوب اليمن بالمسؤولية العالية والشمولية، حيث ارتكز على عدة مسارات متوازية:
- المسار السياسي: رعاية الحوارات المستمرة لتقريب وجهات النظر بين المكونات اليمنية، وضمان مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي ضمن قوام الحكومة الشرعية، مما أضفى شرعية سياسية واستقراراً مؤسسياً.
- المسار الأمني والعسكري: الإشراف المباشر عبر قوات التحالف على تنفيذ الشق العسكري من اتفاق الرياض، وفصل القوات، وإعادة الانتشار بما يضمن أمن العاصمة المؤقتة عدن.
- المسار التنموي والاقتصادي: لم تغفل الرياض الجانب الإنساني؛ حيث نشط “البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن” بشكل مكثف في المحافظات الجنوبية. شملت هذه الجهود تأهيل مطار عدن، ودعم قطاع الكهرباء بالوقود، وتطوير المستشفيات والمدارس، بالإضافة إلى الودائع المالية في البنك المركزي اليمني لدعم العملة المحلية ومنع انهيار الاقتصاد.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير الإقليمي والدولي
إن نجاح السعودية في احتواء التوتر في جنوب اليمن يحمل أبعاداً تتجاوز الجغرافيا المحلية. فعلى الصعيد المحلي، ساهم هذا الاستقرار في عودة الحكومة لممارسة أعمالها من عدن، مما سهل تقديم الخدمات للمواطنين. إقليمياً، يعد استقرار جنوب اليمن ركيزة أساسية لأمن منطقة الخليج وحماية الممرات المائية الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث أن أي فراغ أمني قد تستغله جماعات متطرفة أو قوى معادية لتهديد الملاحة الدولية.
دولياً، يُنظر للجهود السعودية كعامل أساسي داعم لجهود الأمم المتحدة والمبعوث الدولي لإحلال السلام الشامل في اليمن. فتوحيد الجبهة الداخلية في الجنوب يعد خطوة ضرورية لأي مفاوضات سلام نهائية وشاملة تنهي الصراع اليمني برمته. بذلك، أثبتت المملكة أن نهجها المسؤول لا يقتصر على الدعم العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل صناعة السلام وبناء الدولة.



