
السعودية تدين في إيكاو الهجمات على الطيران المدني بالمنطقة
في خطوة دبلوماسية حاسمة تعكس حرص المملكة العربية السعودية والدول العربية على حماية أمن واستقرار الملاحة الجوية العالمية، أصدر مجلس منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، خلال اجتماعه السادس ضمن أعمال دورته الـ (237)، قراراً دولياً شديد اللهجة يدين الهجمات التي تشنها إيران على البنى التحتية للطيران المدني في عدد من دول المنطقة.
جاء هذا القرار الاستراتيجي بناءً على ورقة عمل مشتركة وقوية تقدمت بها المملكة العربية السعودية، بالتحالف مع كل من الإمارات العربية المتحدة، والمملكة الأردنية الهاشمية، ومملكة البحرين، ودولة الكويت، ودولة قطر، وسلطنة عمان، وجمهورية مصر العربية، والمملكة المغربية. وتأتي هذه الخطوة التي تم توثيقها بتاريخ 19 مارس 2026م، لتؤكد على موقف دولي وإقليمي حازم يرفض بشكل قاطع أي تهديدات تمس سلامة وأمن الطيران المدني، الذي يعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي والتواصل الإنساني.
السياق التاريخي وأهمية اتفاقية شيكاغو
تأسست منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) كوكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة في عام 1944م بموجب “اتفاقية شيكاغو”، بهدف تنظيم الملاحة الجوية الدولية وضمان تطورها الآمن والمنظم. وتعتبر هذه الاتفاقية الدستور العالمي للطيران المدني، حيث تنص مادتها الأولى على أن لكل دولة سيادة كاملة ومطلقة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها. ومن هذا المنطلق، فإن أي اختراق أو هجوم عسكري يمر عبر مسارات الطيران المدني دون تنسيق مسبق يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتهديداً مباشراً لأرواح آلاف المسافرين المدنيين يومياً.
موقف المملكة العربية السعودية الثابت
خلال الجلسة، أكد مندوب المملكة الدائم لدى مجلس المنظمة، المهندس محمد بن سامي حبيب، على الموقف الدبلوماسي المتزن للسعودية. وأوضح أن المملكة ليست طرفاً في الصراع الدائر، بل إنها دعت منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأزمات إلى ضرورة التهدئة، وتجنب التصعيد العسكري، وتغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية. وأشار المهندس حبيب إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2817) الصادر في 11 مارس 2026م، والذي أدان بوضوح الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، مما يعكس إدراكاً عميقاً من المجتمع الدولي لحجم المخاطر التي تحيط بأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
وجددت المملكة إدانتها بأشد العبارات للهجمات التي استهدفت الأجواء والمطارات المدنية، مطالبة إيران بالوقف الفوري وغير المشروط لهذه الممارسات التي تضرب بعرض الحائط ميثاق الأمم المتحدة وتهدد السلم والأمن الدوليين.
التأثيرات التشغيلية والاقتصادية على حركة الطيران
أوضح مجلس “إيكاو” في قراره أن الهجمات التي نُفذت باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة (بدون طيار) منذ 28 فبراير 2026م، تسببت في خلق مخاطر جسيمة وغير مسبوقة على حركة الطيران المدني. وتكمن الخطورة البالغة في تقاطع مسارات هذه المقذوفات العسكرية مع الممرات الجوية المدنية المزدحمة، دون إصدار الإعلانات الملاحية اللازمة لتحذير الطيارين.
هذا الوضع الخطير أجبر العديد من الدول المتأثرة على اتخاذ إجراءات احترازية طارئة، شملت إغلاق أجزاء واسعة من مجالاتها الجوية، وتحويل مسارات مئات الرحلات الجوية. هذه الإجراءات، وإن كانت ضرورية لضمان سلامة الركاب، إلا أنها أسفرت عن تأثيرات تشغيلية واقتصادية سلبية على حركة النقل الجوي الدولي، تمثلت في تأخر الرحلات، وزيادة استهلاك الوقود، وتكبيد شركات الطيران خسائر مالية فادحة، فضلاً عن إرباك سلاسل الإمداد العالمية.
حماية الأعيان المدنية ودعم الانسيابية الجوية
لم يقتصر القرار على إدانة الهجمات فحسب، بل شمل إدانة صريحة لاستهداف الأعيان المدنية والمطارات، معتبراً ذلك خرقاً للقانون الدولي الإنساني. وتضمن القرار إحالة نصه إلى هيئات الأمم المتحدة المعنية، وإبلاغ الدول الأعضاء لمتابعة التطورات عن كثب لضمان أعلى معايير السلامة.
وفي ختام المداخلة، شدد مندوب المملكة على التزام السعودية التام والمطلق باتفاقية شيكاغو، مؤكداً استمرار المملكة في تسخير كافة إمكانياتها لدعم انسيابية الحركة الجوية العالمية. وأبرز جاهزية الأجواء والمطارات السعودية للتعاون مع الدول الشقيقة والمنظمة الدولية، وتقديم الدعم الكامل للناقلات الجوية، وتسهيل رحلات الإجلاء الإنسانية وفق أعلى معايير السلامة العالمية. وختم بالتأكيد على المبدأ الراسخ بضرورة التزام جميع الدول بعدم استخدام الطيران المدني أو البنى التحتية المرتبطة به في أي أغراض عسكرية أو غير تلك المخصصة لها.



