العالم العربي

السعودية تدعم سوريا بعقود استراتيجية: تفاصيل التعاون الاقتصادي الجديد

في خطوة تعكس تطوراً لافتاً في مسار العلاقات العربية البينية، تتجه المملكة العربية السعودية نحو تعزيز تعاونها مع الجمهورية العربية السورية من خلال توقيع «عقود استراتيجية» تهدف إلى دعم الاقتصاد السوري والمساهمة في جهود إعادة الإعمار. يأتي هذا التوجه تتويجاً لمرحلة جديدة من الانفتاح الدبلوماسي الذي شهدته المنطقة مؤخراً، والذي يهدف إلى طي صفحة الخلافات وتعزيز العمل العربي المشترك بما يخدم مصالح الشعوب واستقرار المنطقة.

سياق التحول في العلاقات السعودية السورية

لا يمكن قراءة هذا الدعم الاقتصادي بمعزل عن السياق السياسي والدبلوماسي الذي تبلور خلال العامين الماضيين. فقد شهدت العلاقات بين الرياض ودمشق تحولاً جذرياً بعد أكثر من عقد من القطيعة التي بدأت عام 2011. وجاءت القمة العربية في جدة عام 2023 لتشكل نقطة تحول مفصلية، حيث رحبت المملكة بعودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، وتبعه استئناف العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء. هذه الخطوات مهدت الطريق للانتقال من مرحلة التطبيع السياسي إلى مرحلة التعاون الاقتصادي الملموس، حيث تعتبر العقود الاستراتيجية الجديدة ترجمة عملية لهذا التقارب.

الأبعاد الاقتصادية وأهمية العقود الاستراتيجية

يعاني الاقتصاد السوري من تحديات هائلة نتيجة سنوات الحرب الطويلة والعقوبات الاقتصادية، مما جعل الحاجة إلى استثمارات خارجية أمراً ملحاً. وتأتي العقود السعودية لتمثل شريان حياة محتمل لقطاعات حيوية في سوريا. من المتوقع أن تشمل هذه العقود مجالات البنية التحتية، والطاقة، والتبادل التجاري، بالإضافة إلى قطاع الأدوية والمنتجات الزراعية. إن دخول الاستثمارات السعودية لا يعني فقط ضخ رؤوس أموال، بل يعطي إشارة طمأنة لمستثمرين آخرين في المنطقة، مما قد يسرع من عجلة التعافي الاقتصادي في سوريا.

الاستقرار الإقليمي ورؤية المملكة 2030

ينسجم هذا التوجه مع «رؤية السعودية 2030» التي تتبناها المملكة، والتي تركز في شقها السياسي الخارجي على «تصفير المشاكل» في الإقليم لضمان بيئة مستقرة جاذبة للاستثمار والتنمية. تدرك الرياض أن استقرار سوريا هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي. وبالتالي، فإن دعم سوريا عبر عقود استراتيجية ليس مجرد عمل خيري أو تجاري فحسب، بل هو استثمار في الأمن والاستقرار، حيث يساهم تحسن الأوضاع الاقتصادية في سوريا في الحد من الهجرة غير الشرعية، ومكافحة التطرف، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين.

آفاق المستقبل

تمثل هذه العقود الاستراتيجية حجر الأساس لمرحلة طويلة الأمد من الشراكة. ومع استمرار اللقاءات الثنائية والزيارات الرسمية بين مسؤولي البلدين، من المرجح أن نشهد توسعاً في حجم التبادل التجاري وتفعيل اللجان الاقتصادية المشتركة. إن نجاح هذه العقود سيعتمد بشكل كبير على توفير البيئة التشريعية واللوجستية المناسبة، إلا أن الإرادة السياسية المتوفرة حالياً لدى الجانبين تبشر بمستقبل واعد للعلاقات الثنائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى