التنسيق السعودي المصري التركي: تحالف جديد يعيد تشكيل المنطقة

يشهد الشرق الأوسط تحولاً جيوسياسياً هاماً يتمثل في تنامي التنسيق السعودي المصري التركي، وهو تطور يحمل في طياته ملامح مرحلة جديدة من التهدئة والاستقرار الإقليمي. يأتي هذا التقارب بعد سنوات من الجمود والتوترات التي سادت العلاقات البينية، ليشكل مثلثاً استراتيجياً يضم القوى الثلاث الأثقل وزناً في العالم الإسلامي والمنطقة، مما يمنح هذا التكتل قدرة فائقة على التأثير في مجريات الأحداث الساخنة.
سياق التحول من التوتر إلى الشراكة
لفهم أهمية هذا التنسيق، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية القريبة؛ حيث شهد العقد الماضي تباينات حادة في وجهات النظر حول ملفات الربيع العربي والأزمات في ليبيا وسوريا. ومع ذلك، فرضت المتغيرات الدولية والإقليمية واقعاً جديداً استدعى تغليب لغة المصالح المشتركة. وقد توج هذا المسار بزيارات متبادلة رفيعة المستوى، أبرزها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى كل من المملكة العربية السعودية ومصر، وزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تركيا، مما أسدل الستار على مرحلة الخلاف وأسس لمرحلة التعاون الاستراتيجي.
الدور المحوري في ملف غزة والقضية الفلسطينية
يحتل العدوان على غزة صدارة أولويات هذا التنسيق الثلاثي. إذ تمتلك الدول الثلاث أوراق ضغط متنوعة؛ فمصر هي البوابة الجغرافية والوسيط التاريخي، والسعودية تمثل الثقل الديني والسياسي والاقتصادي وقائدة المبادرة العربية للسلام، بينما تمتلك تركيا علاقات دبلوماسية معقدة وقدرة على الخطابة السياسية المؤثرة دولياً. يعمل هذا التكتل على توحيد الخطاب المطالب بوقف إطلاق النار، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، والدفع نحو حل الدولتين كسبيل وحيد للاستقرار المستدام، مما يشكل جبهة ضغط قوية أمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة.
تأثيرات تتجاوز الحدود: ليبيا، سوريا، وأمن البحر الأحمر
لا يقتصر أثر التنسيق السعودي المصري التركي على الملف الفلسطيني فحسب، بل يمتد ليشمل بؤر التوتر الأخرى. في ليبيا، ساهم التقارب المصري التركي في تبريد الجبهات العسكرية والدفع نحو حل سياسي توافقي بدلاً من الصراع بالوكالة. وفي سوريا، يدعم التنسيق المشترك جهود الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومكافحة الإرهاب. كما يبرز أمن البحر الأحمر كملف حيوي، خاصة في ظل التوترات التي تؤثر على حركة الملاحة في قناة السويس، مما يجعل التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الثلاث ضرورة قصوى لحماية المصالح الاقتصادية العالمية.
البعد الاقتصادي كركيزة للاستقرار
أخيراً، لا يمكن إغفال الشق الاقتصادي؛ حيث تسعى الدول الثلاث إلى تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة كجزء من رؤاها التنموية (مثل رؤية المملكة 2030). إن الاستقرار السياسي الناتج عن هذا التنسيق يخلق بيئة جاذبة للاستثمار، ويعزز من فرص التكامل الاقتصادي في مجالات الطاقة، والصناعات الدفاعية، والسياحة، مما يعود بالنفع المباشر على شعوب المنطقة ويعزز من مناعة هذه الدول أمام الأزمات الاقتصادية العالمية.



