الانتقالي الجنوبي وتحديات البقاء في حضرموت والمهرة

يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن واحداً من أعقد اختباراته السياسية والعسكرية منذ تأسيسه، متمثلاً في تحدي الحفاظ على نفوذه أو احتمالية الاضطرار إلى تقليص تواجده في محافظتي حضرموت والمهرة. هذا الاختبار لا يمس فقط الهيكل التنظيمي للمجلس، بل يضرب في عمق مشروعه السياسي الرامي إلى استعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل عام 1990، حيث تشكل المحافظات الشرقية الرئة الاقتصادية والجغرافية لهذا المشروع.
السياق العام والخلفية التاريخية
منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017، تركزت قوته العسكرية والشعبية بشكل رئيسي في عدن والمحافظات المجاورة لها مثل لحج والضالع. ومع ذلك، ظلت المحافظات الشرقية (حضرموت، المهرة، وشبوة إلى حد ما) تتمتع بخصوصية تاريخية واجتماعية معقدة. فحضرموت، التي تمثل الثقل التاريخي والاقتصادي الأكبر، تمتلك إرثاً سياسياً يميل نحو الاستقلالية أو الحكم الذاتي الموسع، وهو ما تجلى بوضوح في تشكيل كيانات سياسية موازية مؤخراً، مثل "مجلس حضرموت الوطني"، الذي حظي بدعم إقليمي واسع، مما شكل حائط صد أمام تمدد الانتقالي الانفرادي في المحافظة.
تعقيدات المشهد في المهرة وحضرموت
في المهرة، البوابة الشرقية لليمن والمحاذية لسلطنة عمان، يواجه المجلس الانتقالي رفضاً قبلياً واجتماعياً لفرض أي أجندات عسكرية خارجية عن النسيج المهري. وتلعب التوازنات الإقليمية دوراً حاسماً هناك، حيث تتداخل المصالح المحلية مع المخاوف الأمنية لدول الجوار، مما يجعل من فكرة السيطرة العسكرية الكاملة للانتقالي أمراً محفوفاً بالمخاطر وقد يؤدي إلى عزلة سياسية. أما في حضرموت، فإن وجود قوات "درع الوطن" والتحركات السياسية للنخب الحضرمية وضعت المجلس أمام خيار صعب: إما القبول بشراكة حقيقية قد تقلص من سقف مطالبه، أو مواجهة خطر العزلة والخروج من المشهد الفاعل في الوادي والصحراء.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع
تكمن أهمية هذا الاختبار في أن خروج المجلس الانتقالي من معادلة القوة في حضرموت والمهرة، أو حتى تراجع نفوذه، يعني عملياً فقدان السيطرة على أهم موارد البلاد (النفط والغاز) والمنافذ الحدودية البرية والبحرية الاستراتيجية. محلياً، قد يؤدي هذا السيناريو إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية للجنوب اليمني، بظهور أقاليم تتمتع بحكم ذاتي بعيداً عن مركزية عدن. إقليمياً، تراقب دول التحالف والمجتمع الدولي هذا الوضع عن كثب، حيث أن استقرار هذه المناطق يعد ركيزة أساسية لأي تسوية سياسية شاملة لإنهاء الحرب في اليمن. وبالتالي، فإن قدرة الانتقالي على التعامل بمرونة سياسية بدلاً من التصعيد العسكري ستكون هي المعيار الحقيقي لبقائه كطرف فاعل في شرق اليمن.



