التغلغل الإسرائيلي بالقرن الأفريقي يعزز التقارب المصري التركي

تشهد العلاقات المصرية التركية تحولاً استراتيجياً متسارعاً، مدفوعاً بجملة من المتغيرات الإقليمية والدولية، يأتي في مقدمتها التغلغل الإسرائيلي المتزايد في منطقة القرن الأفريقي. هذا التمدد، الذي بات يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي والأفريقي، أصبح عاملاً حاسماً في إذابة الجليد بين القاهرة وأنقرة، دافعاً العاصمتين نحو تنسيق مواقف مشترك يتجاوز الخلافات السابقة.
السياق العام: القرن الأفريقي كساحة صراع نفوذ
لطالما كانت منطقة القرن الأفريقي محط أطماع القوى الدولية والإقليمية نظراً لموقعها الجيوسياسي الحاكم على مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقناة السويس. وفي السنوات الأخيرة، كثفت إسرائيل من تحركاتها الدبلوماسية والأمنية في هذه المنطقة، لا سيما من خلال تعزيز علاقاتها مع إثيوبيا ودول أخرى في شرق أفريقيا. هذه التحركات تثير قلق القاهرة التي تعتبر أمن البحر الأحمر ومنابع النيل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، خاصة في ظل أزمة سد النهضة المستمرة.
أبعاد التقارب المصري التركي الجديد
على الجانب الآخر، تمتلك تركيا نفوذاً واسعاً في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، عبر قواعد عسكرية ومشاريع تنموية ضخمة. وقد وجدت أنقرة والقاهرة نفسيهما أمام تحديات مشتركة تفرض عليهما التعاون بدلاً من التنافس. فالتحركات الإسرائيلية، التي تهدف أحياناً لمحاصرة النفوذ العربي والتركي، دفعت القيادة السياسية في البلدين إلى إعادة تقييم الموقف. وقد توج هذا المسار بزيارات متبادلة رفيعة المستوى بين الرئيسين المصري والتركي، مما أذن ببدء مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.
تأثير التطورات في الصومال والبحر الأحمر
لعل الملف الصومالي يمثل أبرز نقاط التلاقي الحالية؛ حيث ترفض كل من مصر وتركيا الاتفاق المثير للجدل بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، والذي يمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية. ترى القاهرة وأنقرة في هذا الاتفاق تهديداً لوحدة الصومال وزعزعة لاستقرار المنطقة. وبناءً على ذلك، عززت مصر تواجدها العسكري والدبلوماسي في مقديشو بالتنسيق مع الجانب التركي، في رسالة واضحة مفادها أن الأمن الإقليمي في شرق أفريقيا والبحر الأحمر هو مسؤولية مشتركة لا يمكن تركها للعبث الخارجي.
الآفاق المستقبلية: تحالف الضرورة والمصالح
إن التنسيق المصري التركي لم يعد خياراً ترفيهياً بل ضرورة استراتيجية ملحة. فمع استمرار الحرب في غزة وتداعياتها على أمن الملاحة في البحر الأحمر، بالإضافة إلى الطموحات الإثيوبية والتحركات الإسرائيلية، يتوقع المراقبون أن يشهد هذا التقارب مزيداً من التطور ليشمل تعاوناً عسكرياً واستخباراتياً أعمق، فضلاً عن الشراكات الاقتصادية. هذا التحالف الناشئ قد يعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط وأفريقيا، مشكلاً حائط صد أمام محاولات التغلغل التي تستهدف الأمن القومي للبلدين.



