بدء تشغيل الربط الكهربائي بين مصر والسعودية بقدرة 3000 ميغاوات في 2026

في خطوة تاريخية تعيد رسم خريطة الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وتتويجاً لسنوات من التخطيط والعمل المشترك، تستعد جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية لقص شريط بدء التشغيل التجريبي لأضخم مشروع للربط الكهربائي في المنطقة. وقد أعلن وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، الدكتور محمود عصمت، رسمياً عن الموعد المرتقب لبدء تدفق الطاقة بين البلدين، مؤكداً أن الأسبوع الأول من شهر يناير 2026 سيشهد أول اختبار فعلي للخط الأول بقدرة تصل إلى 1500 ميغاوات.
تفاصيل الجدول الزمني للتشغيل
خلال مشاركته الفاعلة في مؤتمر الأهرام للطاقة، كشف الوزير المصري عن خارطة طريق دقيقة للمشروع، موضحاً أن المرحلة الأولى قد اكتملت بنيتها التحتية تماماً. وأشار إلى أن الجدول الزمني لا يتوقف عند اختبار يناير، بل سيعقبه اختبار الخط الثاني بقدرة 1500 ميغاوات إضافية بعد مرور أربعة أشهر فقط من نجاح المرحلة الأولى. وبذلك، من المتوقع أن تصل القدرة الإجمالية للمشروع إلى ذروتها البالغة 3000 ميغاوات بحلول منتصف عام 2026، مما يمثل نقلة نوعية في قدرات الشبكات الكهربائية لكلا البلدين.
عمق استراتيجي وخلفية تاريخية للمشروع
لا يعتبر هذا المشروع وليد اللحظة، بل هو ثمرة تعاون استراتيجي طويل الأمد بدأت فكرته تلوح في الأفق منذ عام 2012، وتوجت بتوقيع العقود التنفيذية في أكتوبر 2021. ويعد هذا الربط هو الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يعتمد على تقنية التيار المستمر عالي الجهد (HVDC)، وهي تقنية متطورة تضمن كفاءة النقل وتقليل الفاقد عبر المسافات الطويلة. وتصل التكلفة الاستثمارية للمشروع إلى أكثر من 1.8 مليار دولار، بتمويل مشترك من مؤسسات مالية عريقة تشمل الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، والبنك الإسلامي للتنمية، بالإضافة إلى التمويل الذاتي من الشركة المصرية لنقل الكهرباء.
المكونات الفنية والتحالفات الدولية
يرتكز المشروع على بنية تحتية عملاقة تتكون من ثلاث محطات تحويل عالية الجهد؛ تقع الأولى في مدينة بدر شرق القاهرة، بينما تقع المحطتان الأخريان في شرق المدينة المنورة وتبوك بالمملكة العربية السعودية. وتربط بين هذه المحطات خطوط هوائية تمتد لنحو 1350 كيلومتراً، وكابلات بحرية متطورة تعبر خليج العقبة بطول يتراوح بين 20 إلى 22 كيلومتراً. وقد أشرف على تنفيذ هذا الصرح الهندسي تحالف دولي يضم كبريات الشركات العالمية والمحلية، مثل “هيتاشي” اليابانية المسؤولة عن المحطات، و”بريسميان” الإيطالية للكابلات البحرية، إلى جانب شركة “أوراسكوم كونستراكشن” المصرية، حيث تجاوزت نسب الإنجاز حاجز الـ 98%.
الأهمية الاقتصادية والبعد الإقليمي
تكمن القيمة المضافة لهذا المشروع في استغلاله الذكي لفارق التوقيت في ذروة الاستهلاك الكهربائي بين البلدين، والذي يتراوح بين 3 إلى 6 ساعات. هذا التباين يسمح بتبادل الفائض الكهربائي، مما يعزز استقرار الشبكات الوطنية، ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويوفر مليارات الدولارات التي كانت ستنفق على بناء محطات توليد جديدة لتغطية أوقات الذروة فقط.
علاوة على ذلك، يمثل المشروع نواة حقيقية لإنشاء سوق عربية مشتركة للكهرباء، وجسراً حيوياً يربط قارتي أفريقيا وآسيا طاقياً. كما يمهد الطريق أمام طموحات البلدين في تصدير الطاقة النظيفة إلى القارة الأوروبية، مما يدعم رؤية المملكة 2030 التي تستهدف الوصول إلى 50% طاقة متجددة، واستراتيجية مصر للطاقة المستدامة التي تسعى للوصول إلى 42% بحلول عام 2035.



