
أزمة بالصومال: ولاية جنوب الغرب تعلق تعاونها مع الحكومة
أزمة سياسية جديدة تضرب الصومال
تشهد الساحة السياسية في الصومال تطورات متلاحقة تنذر بتصعيد جديد، حيث أعلنت ولاية “جنوب الغرب” تعليق تعاونها بشكل كامل مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو. هذه الخطوة المفاجئة تفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة قد تعرقل الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في البلاد، وتطرح تساؤلات عديدة حول مستقبل النظام الفيدرالي والعملية السياسية في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعصف بالدولة الواقعة في منطقة القرن الأفريقي.
السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة
يعتمد الصومال نظاماً فيدرالياً منذ تبني الدستور المؤقت في عام 2012، وهو النظام الذي جاء كحل توافقي لإنهاء عقود من الحرب الأهلية والانهيار الشامل لمؤسسات الدولة الذي بدأ في عام 1991. ورغم أن هذا النظام ساهم في إعادة بناء هياكل الدولة، إلا أنه ظل مصدراً مستمراً للتوترات بين الحكومة المركزية في مقديشو والولايات الفيدرالية الأعضاء. وتتركز الخلافات تاريخياً حول تقاسم السلطة والثروات، وإدارة الموارد الطبيعية، والترتيبات الأمنية، فضلاً عن القوانين الانتخابية. ولاية جنوب الغرب، التي تعد واحدة من أهم الولايات الفيدرالية وأكثرها كثافة سكانية، كانت في كثير من الأحيان لاعباً رئيسياً في هذه التجاذبات السياسية، حيث تسعى دائماً لضمان استقلاليتها وحماية مصالحها المحلية في مواجهة ما تعتبره محاولات من الحكومة المركزية لفرض سيطرتها المطلقة.
أهمية الحدث والتأثير المتوقع على المستوى المحلي
على الصعيد المحلي، يحمل تعليق ولاية جنوب الغرب لتعاونها مع الحكومة الفيدرالية تداعيات خطيرة، لا سيما في الجانب الأمني. الصومال يخوض حرباً شرسة ومستمرة ضد حركة “الشباب” الإرهابية، والتي تستغل عادة أي فراغ سياسي أو انقسام بين القيادات الصومالية لتعزيز نفوذها وشن هجمات. غياب التنسيق الأمني والسياسي بين مقديشو وولاية جنوب الغرب سيؤدي حتماً إلى إضعاف الجبهة الداخلية، مما يعرقل العمليات العسكرية المشتركة. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأزمة تهدد بتعطيل مسار المراجعة الدستورية والتحضيرات للانتخابات المقبلة، حيث يتطلب إقرار أي تعديلات جوهرية توافقاً وطنياً شاملاً يضم كافة الولايات الفيدرالية.
التداعيات الإقليمية والدولية في القرن الأفريقي
إقليمياً، تأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي توترات جيوسياسية متصاعدة. الصومال يقع في قلب هذه التجاذبات، وأي عدم استقرار داخلي ينعكس مباشرة على أمن المنطقة بأسرها. ولاية جنوب الغرب تشترك في حدود استراتيجية، وتلعب دوراً محورياً في الترتيبات الأمنية الإقليمية، خاصة مع وجود قوات حفظ السلام الأفريقية (أتميس) التي تمر بمرحلة انتقالية تمهيداً لانسحابها التدريجي. دول الجوار، التي تراقب الوضع عن كثب، تخشى من أن يؤدي تفكك التحالفات الداخلية في الصومال إلى تمدد الجماعات المتطرفة عبر الحدود.
دولياً، يثير هذا التطور قلق المجتمع الدولي والجهات المانحة التي استثمرت مليارات الدولارات لدعم بناء الدولة الصومالية. الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، طالما أكدوا على أهمية الحوار الوطني من خلال “المجلس الاستشاري الوطني” كآلية لحل الخلافات. تعليق التعاون يمثل انتكاسة للجهود الدبلوماسية الدولية، وقد يدفع الشركاء الدوليين إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الأطراف الصومالية للعودة إلى طاولة المفاوضات، محذرين من أن استمرار الانقسام سيؤدي إلى تراجع الدعم الدولي المخصص للتنمية وإعادة الإعمار.
خلاصة المشهد
في الختام، تبقى الأزمة بين ولاية جنوب الغرب والحكومة الفيدرالية الصومالية اختباراً حقيقياً لمدى صلابة النظام الفيدرالي الصومالي وقدرته على استيعاب الخلافات الداخلية. وتظل الدعوات للحوار وتغليب المصلحة الوطنية العليا هي المخرج الوحيد لتجنب انزلاق البلاد نحو مربع الفوضى من جديد، وضمان استمرار الجهود الرامية لبناء صومال موحد ومستقر.



