
تأجيل الانتخابات الصومالية وتمديد الولاية: أزمة جديدة
مقدمة عن الأزمة السياسية في الصومال
يعيش المشهد السياسي في الصومال حالة من التوتر المتصاعد إثر القرارات الأخيرة المتعلقة بتمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات الصومالية، مما ينذر بدخول البلاد في انقسام جديد يبدو حتى اللحظة بلا أفق واضح للحل. هذا التطور الخطير يعيد إلى الأذهان سلسلة الأزمات السياسية التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث
تاريخياً، عانى الصومال من هشاشة في نظامه السياسي منذ انهيار الحكومة المركزية في عام 1991. ومنذ تأسيس الحكومة الفيدرالية الانتقالية، اعتمدت البلاد على نظام انتخابي غير مباشر يُعرف بنظام “4.5” لتقاسم السلطة بين القبائل. ورغم الجهود الدولية والمحلية الحثيثة للانتقال إلى نظام اقتراع مباشر يعتمد على مبدأ “صوت واحد لشخص واحد”، إلا أن التحديات الأمنية والسياسية حالت دون تحقيق ذلك مراراً.
في الآونة الأخيرة، برزت مقترحات من المجلس الاستشاري الوطني الصومالي تهدف إلى تعديل الدستور وتمديد فترات ولاية رئيس الجمهورية والبرلمانات الإقليمية، وبالتالي تأجيل الانتخابات الصومالية عن موعدها المقرر. هذه الخطوة تذكرنا بالأزمة السياسية الحادة التي اندلعت في عام 2021 عندما جرت محاولات لتمديد ولاية الرئيس السابق، مما أدى حينها إلى اشتباكات مسلحة في العاصمة مقديشو وانقسام حاد في صفوف القوات الأمنية.
أسباب الانقسام السياسي والمواقف الرافضة
أثار قرار تمديد ولاية المؤسسات الصومالية موجة من الرفض القاطع من قبل شخصيات سياسية بارزة، بما في ذلك رؤساء سابقون وقادة ولايات فيدرالية، وعلى رأسهم ولاية بونتلاند (أرض البنط) التي أعلنت مراراً مقاطعتها لاجتماعات المجلس الاستشاري الوطني ورفضها لأي تعديلات دستورية تتم دون توافق وطني شامل. المعارضة ترى في هذه الخطوات محاولة لاحتكار السلطة وتقويض النظام الفيدرالي الديمقراطي الوليد، محذرة من أن غياب التوافق سيؤدي إلى فراغ دستوري يهدد شرعية مؤسسات الدولة بالكامل.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
التأثير المحلي والأمني
على الصعيد الداخلي، يشكل هذا الانقسام السياسي تهديداً مباشراً للأمن القومي الصومالي. الخلافات بين النخبة السياسية تؤدي إلى تشتيت الجهود الحكومية في محاربة حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي غالباً ما تستغل هذه الأزمات والفراغ السياسي لتعزيز نفوذها وشن هجمات إرهابية. كما أن حالة عدم اليقين السياسي تنعكس سلباً على الاقتصاد المحلي وتعيق جهود التنمية وإعادة الإعمار التي يحتاجها المواطن الصومالي بشدة.
التأثير الإقليمي والدولي
إقليمياً، يقع الصومال في منطقة استراتيجية حساسة في القرن الأفريقي. أي حالة من عدم الاستقرار في مقديشو تلقي بظلالها فوراً على أمن الدول المجاورة وحركة الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي. دولياً، يثير تأجيل الانتخابات الصومالية قلق المجتمع الدولي والجهات المانحة التي استثمرت مليارات الدولارات في بناء مؤسسات الدولة ودعم قوات حفظ السلام الأفريقية (أتميس). هذا الانقسام قد يعرقل خطط الانسحاب التدريجي للقوات الأفريقية وتسليم المهام الأمنية بالكامل للقوات الصومالية، مما يضع الشركاء الدوليين أمام تحديات معقدة تتطلب تدخلاً دبلوماسياً عاجلاً لمنع انزلاق البلاد نحو فوضى جديدة.



