انتخابات الصومال التاريخية: أول تصويت مباشر منذ 1969

في حدث تاريخي يمثل نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة الصومالية، توجه الناخبون في ولاية بونتلاند (أرض البنط) شبه المستقلة إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في أول انتخابات للمجالس المحلية تعتمد نظام “شخص واحد، صوت واحد” منذ أكثر من نصف قرن. وتأتي هذه الخطوة لتمثل بارقة أمل نحو ترسيخ الديمقراطية المباشرة في بلد عانى طويلاً من ويلات الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي.
عودة إلى الديمقراطية بعد عقود من الغياب
تكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية بالنظر إلى السياق التاريخي للصومال؛ حيث لم تشهد البلاد انتخابات مباشرة بهذا الشكل منذ عام 1969، وهو العام الذي وصل فيه الديكتاتور محمد سياد بري إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، مما أدى إلى إلغاء الحياة الديمقراطية وتعليق العمل بالدستور. ومنذ سقوط نظام بري في عام 1991، دخلت الصومال في دوامة من الفوضى والصراعات القبلية، مما جعل إجراء انتخابات عامة أمراً شبه مستحيل طوال العقود الماضية.
تجاوز نظام المحاصصة العشائرية
لسنوات طويلة، اعتمدت الصومال في تشكيل مؤسساتها السياسية والتشريعية على نظام معقد يُعرف بـ “نظام 4.5″، وهو نظام محاصصة عشائرية يتم فيه اختيار النواب والمسؤولين من قبل شيوخ القبائل وليس عبر التصويت الشعبي المباشر. ويُعد الحدث الحالي في بونتلاند تمرداً ديمقراطياً على هذا النظام التقليدي، حيث يُمنح المواطن العادي لأول مرة الحق والقدرة على اختيار ممثليه المحليين بشكل مباشر دون وصاية قبلية، مما يعزز مفهوم المواطنة والمشاركة السياسية الفعالة.
دلالات التوقيت والتأثير المتوقع
تجري هذه الانتخابات في وقت تسعى فيه الحكومة الفيدرالية الصومالية والمجتمع الدولي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وفرض الأمن. ويُنظر إلى تجربة بونتلاند على أنها “حقل اختبار” ومؤشر حيوي لإمكانية تطبيق هذا النموذج الديمقراطي في بقية أرجاء الصومال. نجاح هذه العملية الانتخابية من شأنه أن يرسل رسائل إيجابية للمانحين الدوليين والشركاء الإقليميين بأن الصومال قادر على تجاوز مرحلة الانتقال السياسي الهش إلى مرحلة المؤسسات المنتخبة.
وعلى الرغم من التحديات الأمنية والسياسية التي لا تزال تواجه البلاد، فإن اصطفاف المواطنين في طوابير طويلة لممارسة حقهم الديمقراطي يعكس رغبة شعبية عارمة في التغيير والاستقرار، ويمهد الطريق نحو استحقاقات انتخابية أكبر قد تشمل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفيدرالية في المستقبل القريب.



