العالم العربي

المجلس الانتقالي الجنوبي: تحديات سياسية ومصير القضية الجنوبية

يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن مرحلة مفصلية دقيقة قد تكون الأهم منذ تأسيسه، حيث يجد نفسه عالقاً بين ضرورة الحفاظ على المكاسب السياسية التي حققها عبر الشراكة في مجلس القيادة الرئاسي، وبين الضغوط الشعبية المتزايدة في المحافظات الجنوبية التي تدفع نحو خيارات أكثر راديكالية قد تصل إلى حد «الاصطدام الكبير».

السياق التاريخي وصعود المجلس الانتقالي

لفهم طبيعة هذا الاختبار، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للحراك الجنوبي الذي تبلور بشكل منظم عام 2007، مطالباً بحقوق المتقاعدين العسكريين والمدنيين، ليتطور لاحقاً إلى مطالب سياسية بفك الارتباط عن الشمال. وقد توجت هذه التحركات بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، ليكون حاملاً سياسياً للقضية الجنوبية.

منذ ذلك الحين، استطاع المجلس تحقيق قفزات نوعية، أبرزها الاعتراف به كطرف رئيسي في اتفاق الرياض عام 2019، وصولاً إلى مشاركته الفاعلة في مشاورات الرياض 2022 التي أفضت إلى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، مما منحه شرعية إقليمية ودولية غير مسبوقة.

تحديات الشراكة والواقع الخدمي

رغم هذه المكاسب الدبلوماسية، يواجه المجلس تحديات داخلية جمة. فالعاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة تعاني من تدهور حاد في الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء وانهيار العملة المحلية، وهو ما يضع المجلس في موقف حرج أمام قواعده الشعبية. التساؤل المطروح حالياً هو: هل يستطيع المجلس الاستمرار في سياسة «النفس الطويل» داخل الحكومة الشرعية لإصلاح الأوضاع، أم أن الضغط الشعبي سيجبره على اتخاذ قرارات أحادية قد تنسف التوافقات الحالية؟

سيناريوهات المستقبل: بين التهدئة والتصعيد

يرى مراقبون أن المجلس الانتقالي يسير على حبل مشدود؛ فمن جهة، يدرك قيادته أن الخروج من عباءة الشرعية الدولية قد يفقده الغطاء الدبلوماسي والدعم الإقليمي، خاصة من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. ومن جهة أخرى، فإن استمرار الوضع الاقتصادي على ما هو عليه قد يؤدي إلى انفجار شعبي لا يمكن احتواؤه.

الأبعاد الإقليمية والدولية

لا ينفصل المشهد الجنوبي عن السياق الإقليمي والدولي. فالمجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة والمبعوثين الدوليين، يضغط باتجاه الحفاظ على وحدة مجلس القيادة الرئاسي لضمان جبهة موحدة في مواجهة جماعة الحوثي، ولتأمين ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. أي تصعيد أو «اصطدام كبير» في الجنوب قد يخلط الأوراق ويعيد ترتيب التحالفات، مما قد يصب في مصلحة الأطراف المعادية للشرعية.

في الختام، يبقى المجلس الانتقالي أمام اختبار حقيقي لقدرته على المناورة السياسية؛ فإما أن ينجح في فرض معادلة تضمن تحسين الخدمات وتثبيت مشروعه السياسي ضمن أطر التوافق، أو ينجرف نحو خيارات صدامية قد تكون كلفتها باهظة على استقرار المنطقة برمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى