العالم العربي

هيكلة المجلس الانتقالي الجنوبي: حل الهيئات وتدشين مرحلة جديدة

في خطوة مفصلية تعكس تحولاً جذرياً في مسار التنظيم السياسي الأبرز في جنوب اليمن، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي حزمة من القرارات الحاسمة التي تهدف إلى إعادة هيكلة بنائه التنظيمي والمؤسسي بشكل كامل. وتضمنت هذه القرارات حل الهيئات والأجهزة التنفيذية والمكاتب التابعة للمجلس سواء في الداخل أو الخارج، إيذانًا ببدء مرحلة سياسية وإدارية جديدة تطوي صفحة التأسيس الأولى وتتجه نحو العمل المؤسسي المنظم.

وتأتي هذه التحركات بتوجيهات مباشرة من رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، في سياق عملية تحديث شاملة تهدف إلى تلافي الترهل الإداري وإزالة الازدواجية في المهام التي شابت المرحلة السابقة. وتشمل الهيكلة الجديدة دمج بعض الدوائر، واستحداث أمانة عامة بهيكل جديد يتناسب مع المتغيرات السياسية، بالإضافة إلى إعادة النظر في آليات عمل الممثليات الخارجية للمجلس لضمان فاعلية أكبر في التواصل الدبلوماسي الدولي.

سياق التأسيس والتحول السياسي

لفهم أبعاد هذه الخطوة، يجب العودة إلى السياق التاريخي لنشأة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس في مايو 2017، عقب «إعلان عدن التاريخي». ومنذ ذلك الحين، مر المجلس بمراحل متعددة، بدءاً من كونه حركة جماهيرية تطالب بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب، وصولاً إلى تحوله لطرف سياسي رئيسي وشريك في الحكومة الشرعية بموجب «اتفاق الرياض» عام 2019، وعضويته الحالية في مجلس القيادة الرئاسي اليمني.

هذا التطور المتسارع فرض على قيادة المجلس ضرورة الانتقال من العقلية الثورية التي ميزت مرحلة التأسيس، إلى عقلية «الدولة» والمؤسسات، خاصة مع توسع نفوذ المجلس وسيطرته على العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات جنوبية أخرى. وتعد الهيكلة الحالية استجابة طبيعية لهذه الاستحقاقات، حيث تتطلب الشراكة في السلطة والتعامل مع الملفات الخدمية والأمنية المعقدة جهازاً إدارياً مرناً وكفؤاً.

الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع

تحمل هذه القرارات دلالات عميقة على المستويين المحلي والإقليمي. محلياً، يسعى المجلس من خلال «نفض الغبار» عن هياكله القديمة إلى تعزيز جبهته الداخلية وتقوية تماسكه التنظيمي استعداداً لاستحقاقات مفاوضات الحل النهائي للأزمة اليمنية. فوجود هيكل تنظيمي متماسك يمنح المجلس قدرة أكبر على المناورة السياسية واتخاذ القرار.

أما إقليمياً ودولياً، فإن هذه الخطوة تبعث برسالة تطمين للحلفاء والشركاء الدوليين بأن المجلس الانتقالي جاد في تطوير أدواته والعمل وفق معايير مؤسسية منضبطة، بعيداً عن العشوائية. كما أن تنظيم المكاتب الخارجية سيعزز من حضور القضية الجنوبية في المحافل الدولية بشكل أكثر احترافية. باختصار، يمثل هذا الحدث نهاية لمرحلة «التأسيس» وبداية لمرحلة «المأسسة» التي تتطلب أدوات ووجوه وآليات عمل مختلفة كلياً عما سبق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى