اقتصاد

فساد بـ 16 مليار في الإسكان السورية: تفاصيل التحقيقات

كشفت تحقيقات موسعة أجراها الجهاز المركزي للرقابة المالية في الجمهورية العربية السورية عن ملف فساد مالي كبير داخل أروقة المؤسسة العامة للإسكان، حيث قدرت قيمة الهدر والتلاعب بالمال العام بنحو 16 مليار ليرة سورية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الحملات المستمرة التي تعلن عنها الأجهزة الرقابية لضبط الإنفاق الحكومي ومكافحة مظاهر الفساد الإداري والمالي في الجهات العامة، خاصة في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

تفاصيل التلاعب بفروقات الأسعار

أوضح الجهاز المركزي في تقريره أن التحقيقات أثبتت وجود مخالفات جسيمة في العقود المبرمة لدى المؤسسة العامة للإسكان، وتحديداً فيما يتعلق بآلية صرف "فروقات الأسعار". وبينت التحقيقات أن المخالفات تركزت في عقود تركيب مصاعد كهربائية لأبراج سكنية ضمن مشروع "الادخار" و"سكن الشباب" في محافظة اللاذقية، بالإضافة إلى مشروع المجمع السكني التجاري المقام على أرض المشفى العسكري (ميسلون) في محافظة حلب.

وأظهرت الوثائق قيام اللجنة الفنية المختصة باحتساب فروقات الأسعار بنسبة 100% لصالح شركة التعهدات، وهو ما يعد مخالفاً للقوانين والأنظمة النافذة التي تنظم العقود الحكومية، مما أدى إلى تضخيم المستحقات المالية للمتعهد دون وجه حق.

الأثر المالي والإجراءات القانونية

قدر مفتشو الجهاز المركزي للرقابة المالية الأثر المالي الناجم عن هذه المخالفات بنحو 15.8 مليار ليرة سورية، شملت كامل العقود المنفذة خلال عامي 2021 و2022. وفي إطار استرداد المال العام، تم حسم مبلغ 4.8 مليار ليرة من مستحقات المتعهد، بينما تمت المطالبة باسترداد المبلغ المتبقي والبالغ 11 مليار ليرة.

وقد حمل الجهاز المسؤولية المباشرة لأعضاء لجان فروقات الأسعار في فروع المؤسسة بكل من حلب واللاذقية، متهماً إياهم بالإهمال والتقصير في تدقيق المحاضر، مما ألحق ضرراً جسيماً بالخزينة العامة. وبناءً عليه، تم إلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتعهد، مع توجيه المؤسسة لتحريك دعوى الحق العام والمدني ضد المتسببين بهذا الهدر.

أهمية قطاع الإسكان وتأثير الفساد عليه

يكتسب هذا الملف أهمية خاصة نظراً لحساسية قطاع الإسكان في سوريا، الذي يعاني أصلاً من تحديات هائلة نتيجة سنوات الحرب الطويلة. وتعتبر مشاريع "سكن الشباب" و"الادخار" من أهم البرامج الحكومية الموجهة لذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة لتأمين مساكن بأسعار مدعومة. إن أي فساد أو هدر في هذا القطاع لا يؤدي فقط إلى خسائر مالية للدولة، بل ينعكس سلباً على الجدول الزمني لتسليم الشقق للمكتتبين الذين ينتظرون استلام مساكنهم منذ سنوات، ويزيد من تكاليف المشاريع المتعثرة أصلاً.

السياق العام للرقابة المالية

يأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه سوريا أزمة اقتصادية خانقة وتضخماً غير مسبوق، مما يجعل الحفاظ على المال العام أولوية قصوى. وتعد فروقات الأسعار بنداً قانونياً يهدف لتعويض المقاولين عن التضخم، إلا أن غياب الرقابة الدقيقة يحول هذا البند أحياناً إلى ثغرة لاستنزاف الموارد. وتؤكد هذه القضية على ضرورة تشديد الرقابة الاستباقية واللاحقة على العقود الحكومية لضمان توجيه الموارد المتاحة نحو إعادة الإعمار وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين بدلاً من ضياعها في قنوات الفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى