ثروت الخرباوي: تصنيف الإخوان إرهابية يكشف أسرار التمويل

في تطور لافت يعكس تحولاً جذرياً في السياسات الدولية تجاه حركات الإسلام السياسي، رحبت المملكة العربية السعودية بالقرار الأمريكي القاضي بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول كمنظمات إرهابية. هذه الخطوة، التي تأتي تتويجاً لمسار طويل من التحذيرات السعودية والمصرية، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول مستقبل الجماعة التي تأسست عام 1928، ومدى قدرتها على البقاء في ظل تجفيف المنابع المالية والملاحقات القانونية العابرة للحدود.
السياق التاريخي: من الدعوة إلى التنظيم السري
لفهم عمق هذا الزلزال الذي يضرب بنية الجماعة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للتنظيم. فمنذ تأسيسها على يد حسن البنا، تبنت الجماعة هيكلية مزدوجة؛ واجهة دعوية اجتماعية علنية، وجهاز خاص سري (النظام الخاص) تولى مهام العمليات العسكرية والعنف السياسي. ورغم محاولات الجماعة المستمرة لنفي صلتها بالعنف في العقود الأخيرة، إلا أن أدبيات سيد قطب، وتحديداً مفاهيم “الحاكمية” و”الجاهلية”، ظلت تشكل المرجعية الفكرية الصلبة التي تستند إليها الجماعة في تبرير الصدام مع الأنظمة والمجتمعات، وهو ما جعلها -وفقاً لخبراء مكافحة الإرهاب- الحاضنة الفكرية لمعظم تنظيمات العنف المعاصر.
شهادة من الداخل: الخرباوي يفتح الصندوق الأسود
في هذا السياق، يكتسب حوار القيادي المنشق عن الجماعة، المحامي وعضو مجلس الشيوخ المصري ثروت الخرباوي، أهمية استثنائية. الخرباوي، الذي خبر دهاليز التنظيم لسنوات طويلة، يؤكد في حديثه لـ “اليوم” أن القرار الأمريكي أحدث حالة من “الارتباك الهيكلي” داخل أروقة الجماعة، مشيراً إلى أن القيادات لجأت فوراً إلى استدعاء “سردية المحنة” التاريخية لضمان تماسك القواعد، وتصوير القرار على أنه ابتلاء إلهي وليس نتيجة لأخطاء سياسية وجرائم واقعية.
التحول نحو “العنقودية” والعملات المشفرة
وحول تداعيات القرار على الأرض، يكشف الخرباوي عن تحولات خطيرة في تكتيكات الجماعة للهروب من الرقابة الأمنية وتجميد الأصول. ويشير إلى أن التنظيم بدأ فعلياً في التخلي عن الهيكلية الهرمية التقليدية (الأسر الكبيرة) لصالح “الخلايا العنقودية” الصغيرة جداً، لتقليل الخسائر في حال الاختراق الأمني. أما مالياً، فتتجه الجماعة نحو الاعتماد الكلي على “التمويل الرقمي” والعملات المشفرة، بالإضافة إلى شبكات تحويل الأموال غير الرسمية (نظام الحوالة)، للالتفاف على العقوبات المصرفية الدولية التي ستفرضها البنوك التزاماً بالقرار الأمريكي.
الإخوان كـ “مفرخة” للتطرف
وفي نقطة مفصلية، يشدد الخرباوي على أن العلاقة بين الإخوان والتنظيمات المتطرفة ليست علاقة تحالف طارئ، بل هي علاقة “بنيوية”. ويؤكد أن الجماعة كانت تاريخياً المؤسس الفعلي أو الملهم الروحي لتنظيمات مثل التكفير والهجرة، والجهاد، وصولاً إلى القاعدة وداعش، حيث خرجت معظم قيادات هذه التنظيمات من عباءة الإخوان أو تأثرت بكتب سيد قطب. ويرى الخرباوي أن التصنيف الإرهابي يضع العالم أمام حقيقة أن الإخوان هم “الجسر” الذي يعبر عليه الشباب من التدين العاطفي إلى التطرف العنيف.
مستقبل غامض ورسالة للشباب
يختتم الخرباوي شهادته برؤية سوداوية لمستقبل الجماعة، واصفاً إياها بأنها تعاني من “شيخوخة فكرية وتنظيمية”. ويرى أن فشل مشروعهم في الحكم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة حتمية لعقلية “التنظيم السري” التي عجزت عن استيعاب مفهوم “الدولة الوطنية”. ووجه رسالة تحذيرية للشباب المتعاطف مع الجماعة، داعياً إياهم إلى حماية عقولهم من فكرة “السمع والطاعة” التي تصادر التفكير النقدي، وتختزل الدين الواسع في تنظيم ضيق، مؤكداً أن الخروج من عباءة التنظيم هو انتصار للضمير والوطن.



