محليات

ملتقى طويق للنحت: الرياض وجهة عالمية للفنون المفتوحة

على مدى سبع نسخ متتالية، نجح ملتقى طويق للنحت في إعادة تعريف العلاقة بين الفن والمدينة، مرسخاً مكانة العاصمة السعودية الرياض كواحدة من أبرز الحواضن العالمية لتجارب النحت المفتوح. لم يعد الحدث مجرد فعالية موسمية، بل تحول إلى ممارسة ثقافية حية تتقاطع فيها العملية الإبداعية مع الحياة اليومية للسكان والزوار، حيث يُقدم العمل الفني كمسار يُشاهد ويُعاش، لا كنتيجة نهائية معزولة خلف جدران المتاحف.

مفهوم النحت الحي: تجربة تفاعلية فريدة

يرتكز الملتقى في جوهره على مفهوم «النحت الحي»، وهو نمط فني عالمي يتم فيه إنجاز الأعمال الفنية في الفضاء العام أمام الجمهور مباشرة. تتيح هذه الآلية للمشاهدين فرصة نادرة لمتابعة مراحل تحول الكتل الصماء إلى أعمال إبداعية، والمشاركة في الحوار الفني في الزمن الحقيقي. وقد اكتسبت تجربة الرياض خصوصيتها من خلال الاستمرارية والاندماج الحضري، مما منحها طابعاً مستداماً يختلف عن المبادرات المؤقتة في مدن أخرى.

السياق الاستراتيجي: الفن ضمن رؤية 2030

لا يمكن قراءة نجاح ملتقى طويق للنحت بمعزل عن التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية تحت مظلة رؤية 2030. يأتي هذا الملتقى كأحد الركائز الأساسية لبرنامج «الرياض آرت»، الذي يعد واحداً من أكبر مشاريع الفن العام في العالم، ويهدف إلى تحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح بلا جدران. يعكس هذا التوجه إيماناً عميقاً بدور الفنون في تحسين جودة الحياة، وأنسنة المدن، وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية للسكان من خلال الجماليات البصرية.

الرياض على خارطة النحت العالمية

على الصعيد الدولي، وضعت هذه المبادرة الرياض في مصاف المدن التي تحتضن حدائق النحت والمتاحف المفتوحة، مثل معرض Sculpture by the Sea في أستراليا، وحديقة Yorkshire Sculpture Park في المملكة المتحدة. إلا أن النموذج السعودي تميز بكونه نموذجاً محلياً متماسكاً يقوم على التراكم المعرفي؛ فمنذ انطلاقه عام 2019، استضاف الملتقى أكثر من 170 فناناً من مختلف دول العالم، مما خلق بيئة خصبة لتبادل الخبرات وتقنيات التعامل مع الخامات المتنوعة، وتأسيس حوار حضاري عابر للحدود.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي المستدام

تتجاوز أهمية ملتقى طويق للنحت البعد الجمالي لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية ملموسة، تتمثل في:

  • دعم الاقتصاد الإبداعي: من خلال خلق فرص عمل للفنانين والحرفيين، وتنشيط سياحة الفنون التي باتت رافداً مهماً للاقتصادات الحديثة.
  • الإرث الحضري: حيث يتم توزيع الأعمال المنجزة بعد انتهاء الملتقى في الساحات والحدائق العامة بالرياض، لتصبح جزءاً دائماً من ذاكرة المدينة البصرية.
  • التثقيف المجتمعي: يساهم الاحتكاك المباشر بين الفنانين والجمهور في رفع الذائقة الفنية وتجذير ثقافة الفن العام لدى الأجيال الجديدة.

ملامح ما سيكون: استشراف المستقبل

تأتي نسخة هذا العام تحت شعار «ملامح ما سيكون»، لتعبر عن جوهر التحول وقدرة الفن على استشراف المستقبل. يعكس الشعار رؤية الملتقى في تقديم أعمال لا تكتفي بالاستجابة للمكان، بل تساهم في تشكيل وعي جديد بالمدينة ودورها الثقافي. ومن خلال هذا المسار المتصاعد، تبرز الرياض كمدينة لا تكتفي باستضافة الفن، بل تصنعه وتراكمه كجزء أصيل من هويتها المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى