اقتصاد

أزمة الغاز في بريطانيا: الاحتياطي يكفي يومين فقط

تتصاعد حدة القلق في الأوساط الاقتصادية والسياسية داخل المملكة المتحدة، مع تواتر التقارير التي تحذر من هشاشة أمن الطاقة في البلاد. فقد كشفت بيانات حديثة وصادمة أن احتياطي الغاز الطبيعي المتوفر حالياً في بريطانيا قد لا يكفي لتلبية الطلب المحلي لأكثر من 48 ساعة، مما يضع البلاد أمام سيناريوهات صعبة في حال حدوث أي انقطاع مفاجئ في سلاسل التوريد العالمية.

انهيار مخزونات الغاز الاستراتيجية

أظهرت الأرقام الصادرة عن شركة الغاز الوطنية تراجعاً حاداً ومقلقاً في مستويات التخزين. فبعد أن كانت المخزونات تناهز 18 ألف غيغاوات/ساعة في العام الماضي، هوت الأرقام لتستقر عند قرابة 6700 غيغاوات/ساعة في الوقت الراهن. ووفقاً لخبراء الطاقة، فإن هذه الكمية الضئيلة تعني عملياً أن بريطانيا تعمل بنظام "من اليد إلى الفم" في قطاع الطاقة، حيث لا يغطي المخزون سوى يوم ونصف إلى يومين من الاستهلاك الشتوي المعتاد، بالإضافة إلى كميات محدودة من الغاز الطبيعي المسال.

لماذا بريطانيا هي الحلقة الأضعف أوروبياً؟

لفهم عمق الأزمة، يجب النظر إلى السياق الهيكلي لقطاع الطاقة البريطاني. تاريخياً، اعتمدت المملكة المتحدة بشكل كبير على حقول بحر الشمال، ومع تراجع إنتاج هذه الحقول، لم تقم الحكومة باستثمارات كافية في منشآت التخزين الضخمة مقارنة بجيرانها في القارة الأوروبية. وبينما تمتلك دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا سعات تخزينية تكفي لعدة أشهر لضمان استقرار الشبكة، تخلت بريطانيا عن بعض منشآت التخزين الرئيسية (مثل منشأة "راف" سابقاً)، مما جعلها تعتمد بشكل مفرط على الواردات الفورية عبر الأنابيب من النرويج أو شحنات الغاز المسال، وهو ما يجعلها عرضة لأي تقلبات جيوسياسية.

فاتورة باهظة يدفعها المستهلك

انعكس هذا النقص في الأمان الاستراتيجي بشكل مباشر على الأسعار. حيث تشير التقارير إلى أن أسعار الغاز بالجملة في السوق البريطانية باتت الأعلى على مستوى القارة الأوروبية، متجاوزة المؤشرات القياسية في مركز تداول الغاز الهولندي (TTF). ويستغل التجار والموردون حاجة بريطانيا الماسة لتأمين الشحنات الفورية لفرض علاوات سعرية، مما يعني أن الشركات والمنازل البريطانية ستتحمل تكاليف إضافية باهظة لضمان استمرار التدفئة وتوليد الكهرباء.

تداعيات التوتر في الشرق الأوسط

تأتي هذه الأزمة المحلية في توقيت عالمي بالغ الحساسية. فالتوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً المخاوف المتعلقة بسلامة الملاحة في مضيق هرمز، تزيد من تعقيد المشهد. ويُعد المضيق شرياناً حيوياً يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية. وأي تعطل في هذا الممر، بالتزامن مع تقارير عن تعطل إمدادات من منشآت رئيسية كبرى مثل "راس لفان"، يضع بريطانيا في مأزق حقيقي نظراً لعدم وجود وسادة أمان تخزينية.

تحذيرات اقتصادية من "صدمة معيشية"

اقتصادياً، لا تقتصر المخاطر على فواتير الطاقة فحسب. فقد حذر الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان من أن المواطن البريطاني قد يواجه ضغوطاً متعددة الجوانب. فارتفاع أسعار الطاقة هو المحرك الرئيسي للتضخم، مما قد يدفع بنك إنجلترا للحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما سينعكس سلباً على أسعار الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض. ومع تحذيرات بنك "غولدمان ساكس" من احتمالية تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار، يبدو أن الاقتصاد البريطاني مقبل على اختبار صعب لمدى قدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى