اقتصاد

مستقبل صناعة الإسمنت 2030.. مبادرة كاوست لخفض الانبعاثات

في خطوة استراتيجية تواكب التحولات العالمية نحو الاستدامة، استضافت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) يومي 8 و9 ديسمبر الورشة الوطنية السنوية لمبادرة مستقبل الأسمنت (FCI). شهد الحدث حضوراً لافتاً تجاوز 200 مشارك من قادة الصناعة، والجهات التنظيمية، ونخبة من الباحثين، لمناقشة التحديات والفرص التي تواجه قطاع البناء والتشييد.

تحديات عالمية ونمو متسارع

يواجه قطاع الإسمنت عالمياً تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة تلبية الطلب المتزايد مع الالتزام بخفض البصمة الكربونية. وتشير التقديرات إلى أن الإسمنت مسؤول عن نسبة كبيرة من الانبعاثات الصناعية عالمياً. وفي هذا السياق، ناقش المشاركون في الورشة التوقعات التي تشير إلى ارتفاع الطلب العالمي على الإسمنت من 4.37 مليار طن في عام 2025 ليتجاوز حاجز 5.5 مليار طن بحلول عام 2030.

هذا النمو العالمي ينعكس بشكل مباشر على السوق السعودي، حيث يُتوقع أن يصل الطلب المحلي إلى نحو 80 مليون طن سنوياً بحلول العام نفسه. ويأتي هذا الطلب الهائل مدفوعاً بالحراك العمراني غير المسبوق الذي تشهده المملكة، والمتمثل في المشاريع الكبرى (Giga Projects) ومبادرات الإسكان وتطوير البنية التحتية ضمن رؤية المملكة 2030.

حلول مبتكرة من قلب البيئة السعودية

عرضت “كاوست” خلال الورشة نتائج واعدة للسنة الأولى من المبادرة، ركزت على استغلال الموارد الطبيعية المحلية لتعزيز الاستدامة. وأشار الباحثون إلى اكتشاف أنواع من الطين المحلي تمتلك خصائص فريدة تسمح بدمجها في الخلطات الإسمنتية. هذا الابتكار يساهم بشكل مباشر في تقليل الاعتماد على مادة “الكلنكر”، التي تعد المكون الأكثر استهلاكاً للطاقة وإطلاقاً للانبعاثات في عملية تصنيع الإسمنت، وذلك دون التأثير على متانة وقوة الخرسانة المطلوبة في المشاريع الإنشائية.

الخرسانة كمخزن للكربون: ميزة مناخية للمملكة

من أبرز النقاط التي نوقشت، القدرة الكامنة للخرسانة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي عبر الزمن، وهي عملية تعرف بـ “الكربنة”. وكشفت الدراسات التي استعرضتها الورشة أن المناخ الدافئ وأنماط الرطوبة في المملكة والمنطقة قد تسرع من وتيرة هذه العملية مقارنة بالمناطق الباردة في العالم. هذه النتائج تفتح آفاقاً جديدة لإعادة احتساب الانبعاثات بدقة أكبر، وتطوير معايير بناء تستفيد من هذه الخصائص البيئية.

شراكات استراتيجية نحو الاقتصاد الدائري

لم تقتصر الورشة على الجانب البحثي، بل شهدت حراكاً تنفيذياً تمثل في اجتماع قيادة الجامعة مع جهات وطنية فاعلة، وعلى رأسها وزارة الصناعة والثروة المعدنية ممثلة بسعادة المهندس تركي البابطين. ركز الاجتماع على مواءمة مخرجات البحث العلمي مع التوجهات الصناعية، ومناقشة نماذج الاقتصاد الدائري التي تهدف إلى تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد.

وتعمل “كاوست” حالياً، بالتوازي مع هذه الجهود، على تطوير تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لنمذجة المواد، مما يسرع من وتيرة اكتشاف خلطات إسمنتية جديدة عالية الأداء ومنخفضة الكربون، دعماً لجهود المملكة في الوصول إلى الحياد الصفري وتعزيز كفاءة قطاع التشييد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى