أزمة الأمم المتحدة والحوثيين: أسباب الجمود ومستقبل اليمن

تشهد العلاقة بين الأمم المتحدة وجماعة الحوثي في اليمن تدهوراً غير مسبوق، وصل إلى مرحلة يمكن وصفها بـ “الطريق المسدود”، مما يهدد بنسف جهود السلام الهشة وتفاقم الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم. هذا الجمود ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سياسية وميدانية معقدة ألقت بظلالها على المشهد اليمني.
جذور الأزمة وسياقها التاريخي
منذ اندلاع النزاع في اليمن، حاولت الأمم المتحدة لعب دور الوسيط المحايد عبر مبعوثيها المتعاقبين، بدءاً من جمال بنعمر ووصولاً إلى هانس غروندبرغ. إلا أن هذا الدور اصطدم مراراً بتعقيدات الواقع الميداني وانعدام الثقة. تاريخياً، نظرت جماعة الحوثي بريبة إلى القرارات الأممية، لا سيما القرار 2216، واعتبرت في كثير من الأحيان أن المنظمة الدولية تميل لصالح الحكومة المعترف بها دولياً والتحالف الداعم لها. في المقابل، واجهت الأمم المتحدة صعوبات لوجستية وأمنية هائلة في مناطق سيطرة الحوثيين، مما أعاق قدرتها على مراقبة وقف إطلاق النار أو توزيع المساعدات بشفافية.
ملف المحتجزين وتصعيد التوتر
لعل النقطة الفاصلة التي أوصلت العلاقة مؤخراً إلى حافة الهاوية هي حملات الاحتجاز التي طالت موظفين يمنيين يعملون لدى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية في صنعاء. هذا التصعيد اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكاً صارخاً للامتيازات والحصانات الممنوحة لموظفيها، وعرقلة مباشرة لعمليات الإغاثة الحيوية. وقد أدى هذا الملف إلى تجميد قنوات الحوار الفعال، حيث تطالب الأمم المتحدة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفيها، بينما يربط الحوثيون هذه الملفات بقضايا سياسية وأمنية أخرى، مما خلق فجوة واسعة يصعب ردمها في الوقت الراهن.
التداعيات الإنسانية والسياسية
إن وصول العلاقة إلى طريق مسدود يحمل في طياته مخاطر كارثية على الشعب اليمني. فمن الناحية الإنسانية، قد يؤدي استمرار التوتر إلى تقليص أو تعليق برامج المساعدات الغذائية والطبية التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين للبقاء على قيد الحياة، خاصة في ظل تدهور العملة والاقتصاد. سياسياً، يعني هذا الجمود تعطل خارطة الطريق للسلام التي كان المبعوث الأممي يسعى لإحيائها، مما يطيل أمد الحرب ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، لا سيما مع ارتباط الملف اليمني بالتوترات الجيوسياسية الأوسع في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط.
ختاماً، يبدو أن استعادة الثقة بين الطرفين تتطلب أكثر من مجرد جولات تفاوضية روتينية؛ فهي بحاجة إلى ضمانات حقيقية وفصل الملف الإنساني عن التجاذبات السياسية والعسكرية لضمان عدم انزلاق اليمن نحو مزيد من العزلة والمعاناة.



