العالم العربي

تعهدات مجلس الأمن وغزة: تحديات التنفيذ والواقع الميداني

تواجه التعهدات والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي بشأن الوضع في قطاع غزة اختباراً حقيقياً وصعباً عند محاولة ترجمتها إلى واقع ملموس على الأرض. فبينما تتوالى الدعوات الدبلوماسية والقرارات الأممية المطالبة بوقف إطلاق النار أو زيادة تدفق المساعدات الإنسانية، تصطدم هذه الطموحات بتعقيدات ميدانية هائلة وعمليات عسكرية مستمرة تحول دون تحقيق أي انفراجة فعلية في المشهد المعقد.

الفجوة بين الدبلوماسية والواقع الميداني

تاريخياً، لطالما عانت القرارات الدولية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي من معضلة التنفيذ. وفي السياق الحالي للحرب على غزة، تتسع هذه الفجوة بشكل غير مسبوق. فعلى الرغم من صدور قرارات تدعو لضرورة حماية المدنيين وتسهيل دخول الإغاثة، إلا أن الآليات التنفيذية تظل غائبة أو معطلة بسبب غياب الإرادة السياسية الملزمة للأطراف المتحاربة، واستخدام حق النقض (الفيتو) أو التهديد به، مما يفرغ القرارات من مضمونها الإلزامي ويحولها إلى مجرد بيانات سياسية لا تغير من واقع المعاناة شيئاً.

التعقيدات العسكرية واللوجستية

ميدانياً، تفرض العمليات العسكرية المستمرة واقعاً يحول دون تنفيذ أي تعهدات بـ “السلام” أو التهدئة. فالدمار الهائل الذي طال البنية التحتية في القطاع، وتقطيع أوصال المدن، واستمرار القصف الجوي والمدفعي، يجعل من عملية توزيع المساعدات أو تأمين ممرات آمنة للمدنيين مهمة شبه مستحيلة. كما أن تداخل خطوط الاشتباك وعدم وجود ضمانات أمنية حقيقية لفرق الإغاثة الدولية يضع حياة العاملين في المجال الإنساني على المحك، مما يعطل وصول الدعم لمستحقيه.

الأبعاد الإنسانية وتفاقم الأزمة

تأتي هذه التعقيدات في وقت تحذر فيه المنظمات الدولية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث بات شبح المجاعة يهدد مئات الآلاف من سكان شمال القطاع وجنوبه على حد سواء. إن اختبار التنفيذ الذي تواجهه “تعهدات السلام” لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بالقدرة على إنقاذ المنظومة الصحية المنهارة وتوفير الغذاء والماء الصالح للشرب. إن الفشل في تحويل التعهدات إلى إجراءات تنفيذية فورية يعني حكماً بالموت البطيء على آلاف المحاصرين، وهو ما يضع مصداقية المؤسسات الدولية والقانون الدولي الإنساني في مهب الريح.

التداعيات الإقليمية والدولية

لا يتوقف تأثير هذا العجز عن التنفيذ عند حدود غزة، بل يلقي بظلاله على استقرار المنطقة بأسرها. فاستمرار الحرب دون أفق سياسي أو إنساني واضح يزيد من مخاطر توسع رقعة الصراع ليشمل جبهات أخرى في الإقليم، مما يهدد الأمن والسلم الدوليين. وبالتالي، فإن نجاح أو فشل مجلس الأمن والمجتمع الدولي في هذا “الاختبار” سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، وسيكون له تداعيات طويلة الأمد على العلاقات الدولية ومفهوم الأمن الجماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى